الذبح :
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162، 163]، وأيضًا قول الله -تبارك وتعالى- في سورة الكوثر: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2].
دلت الآية في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ النسك هو الذبح، فيجب أن يكون الذبح لله -عز وجل-، فيكون الذبح لغير الله شركًا}.
وقلنا بأن الله -تبارك وتعالى- إذا أمر بالشيء أو بيَّن فضله، أو مدح القائمين به، دل على أنه عبادة، فإذا ثبت أنه عبادة، فصرفه لغير الله شرك، هذه القاعدة ينبغي استحضارها.
فقلنا: الآيتان دلت على أن الذبح لابد أن يكون لله -تبارك وتعالى-، حيث مدح الله -عز وجل- من تقرب إليه بالنسك، وأمر بالذبح له، فإذا ثبت أنه عبادة، فصرفه لغير الله شرك، بل هو من الشرك الأكبر؛ لأن الله -تبارك وتعالى- قرنه بالصلاة، فكما أن من صلى لغير الله فقد أشرك، فكذلك من ذبح لغير الله فقد أشرك بالله الشرك الأكبر.
مما يدل على أن صرف الذبح لغير الله من الشرك: ما جاء في صحيح مسلم، من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، قال: "حدثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأربع كلمات
«لعن الله من ذبح لغير الله»، وهذا يدل على الوعيد الشديد لمن ذبح لغير الله.
«لعن الله لمن آوى محدثاً»، وهذا المحدث سواءً أحدث في الدين، يعني ابتدع، فيتستر عليه، ويحميه من إقامة الحدود عليه، أو من الإنكار عليه، فيتستر عليه لأجل أن ينشر بدعته، أو كان هذا المحدث ارتكب حداً من الحدود، فتستر عليه؛ لأجل ألا يُقام عليه الحد، فيدخل في هذا الوعيد الشديد.
«ولعن الله من لعن والديه»، هل يُعقل أن الرجل يلعن والديه؟ وقد استغرب الصحابة من ذلك، فبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ذلك يكون بالتسبب، يسب الرجل فيسب أباه وأمه، فيكون قد تسبب في لعن والديه عياذاً بالله.
لعن الله من غيَّر منار الأرض»، وقلنا المراد بالمنار: العلامات التي يُهتدى بها في الطرقات، وكانوا في القديم يضعون علامات يهتدي بها المارة، وتهتدي بها القوافل حتى لا تتيه فتهلك في الصحراء، فيأتي من يغيرها فيضل السالك لهذه الطرق، وقلنا بأن اللوحات الإرشادية في عصرنا التي تبين اتجاهات المدن، والمسافات بين المدن، يأتي من يغيرها، أو يغير الاتجاه، يغير المسافات، فيدخل في هذا الوعيد؛
والشاهد في الحديث: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لعن الله من ذبح لغير الله»، فدل على أن الذبح يجب صرفه لله، فمن صرفه لغير الله -تبارك وتعالى- فقد أشرك بالله -تبارك وتعالى.
سواءً كان هذا المذبوح كان عظيماً كقَرَّب الإبل، قرَّب الغنم، أو كان حقيراً، حتى لو قرَّب ذبابًا أو نحو ذلك، فإنه يدخل في هذا الوعيد الشديد
الذبح من جهة العموم ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يذبح لغير الله تقربًا وتعظيمًا، يذبح لعظيم تقربًا إليه، يذبح لقبر إلى غير ذلك، يذبح لولي، فإن هذا من الشرك الأكبر.
القسم الثاني: أن يذبح لغير الله فرحًا بقدومه، كقدوم رئيس، أو وزير، أو سلطان، يقدم إلى بلد، فيأتي بالقرابين والخراف، فيذبحونها عند قدومه، فما حكم هذا الفعل؟ وهذا قد يوجد في بعض البلدان، يفعلون هذا لأجل تعظيم هذا الرجل، فنقول: إن ذُبحت هذه الذبائح والقرابين لأجل التعظيم له، بحيث يُسكب الدم، ثم يمر ويعبر، ولا يأكل منها شيئًا، فيكون هذا من الذبح لغير الله، فيدخل في باب الشرك، لكن لو ذُبحت لأجل الإطعام، فإن هذا لا بأس به، ولهذا تجد من الناس في الضيافة يقول: أتاني فلان فذبحت له، أو تذبح له، هو لا يقصد هنا الذبح له تعظيمًا له بسفك الدم، وإنما يقصد بالذبح هنا من باب الإكرام والضيافة
يدخل في القسم الأول وهو الذبح لغير الله، سواءً ذكر عليه اسم الله، أو لم يذكر عليه اسم الله، لو قال: أنا ذكرت على الذبيحة اسم الله، كما لو طلب الساحر والكاهن من المريض أن يذبح ذبيحة بمواصفات معينة، وهذا يحصل، تجد أن الساحر أو الكاهن أو المشعوذ، يطلب من المريض أن يذبح ديكًا، أو يذبح خروفًا بلون معين، وفي مكان محدد، فيأتي هو فيذكر اسم الله ويذبح هذا الطير، فنقول: هذا الذبح لغير الله، حتى ولو ذكر عليه اسم الله، فيكون قد أهلَّ به لغير الله -تبارك وتعالى-، حتى ولو ذكر عليه اسم الله، أو ذكر عليه اسم الله واسم غيره.
الأقسام الشركية في باب الذبح أربعة أقسام:
القسم الأول: أن يذبحها لغير الله، ويذكر عليها اسم غير الله، كاسم الولي، أو اسم الساحر والكاهن ونحو ذلك، فهذا لا شك بأنه من الشرك الأكبر أيًّا كانت هذه الذبيحة، ذبحها لغير الله، وذكر عليها اسم غير الله.
القسم الثاني: ذبحها لغير الله، وذكر عليها اسم الله، ذبح هذا الطير، أو هذا الخروف بناءً على طلب الساحر والكاهن في مكان محدد، وقال: بسم الله، حتى ولو وجهها للقبلة، ثم ذهب وتركها، فيكون هذا أيضًا من الشرك.
القسم الثالث: ذبحها لغير الله، وذكر عليها اسم الله، واسم غيره، لو ذبحها بناءً على طلب الساحر والكاهن والمشعوذ، ثم ذكر اسم الله، واسم الولي، أو اسم الجني، أو اسم الساحر والكاهن، فيكون أيضًا من الذبح الشركي.
القسم الرابع: ذبحها لله، وذكر عليها اسم غير الله، قد يُقال بأن هذا لا يقع، لكن هو من باب التقسيم، لو ذبح ذبيحته لله، لكن ذكر عليها اسم غير الله، فيكون قد أهلَّ بها لغير الله، حتى ولو كانت لله -تبارك وتعالى-؛ لأن الله -تبارك وتعالى- يقول: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 173]، وقال: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3] فإنه يدخل في ذلك القصد، ويدخل في ذلك التسمية
فينبغي في باب الذبح أن تتنبه إلى أمرين مهمين، يدور عليهما الحكم:
الأمر الأول: القصد بهذه الذبيحة، هل هي لله؟ أم لغيره؟
الأمر الثاني: التسمية، فالقصد بأن يذبح متقربًا، لمن يريد أن يتقرب إليه، يعني يُنظر في القصد من هذه الذبيحة التي ذبحها على عتبة الباب، ذبحها في الوادي، ذبحها بناءً على طلب الساحر، بناءً على طلب الكاهن، بناءً على طلب المشعوذ، ذبحها عند قبر الولي، فيُنظر في القصد من هذه الذبيحة، حتى لو ذكر عليها اسم الله.
الثاني: أن يُنظر في التسمية، بغض النظر عن القصد، هل ذكر اسم الله، واسم غيره، أو ذكر اسم الله، أو ذكر اسم غير الله على هذه الذبيحة.
فعليه: فإن الذبح بهذين الاعتبارين، باعتبار القصد والتسمية، ينقسم إلى أربعة أقسام:
الأول: أن يذبح باسم الله لله، وهذا هو المشروع الذي هو من حقيقة التَّوحيد، كما مر معنا في الآيات السابقة ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾.
لكن هنا سؤال: متى يتقرب العبد بذات الذبح؟ متى يكون ذات الذبح قربة وطاعة؟
{إذا كان مأمورًا، إذا أمره الله -عز وجل- أو ورد الأمر بها في نص}.
مثل؟
{مثل العقيقة}.
العقيقة، فهو يتقرب بذات الذبح، لا بذات اللحم، وثانيا: الأضحية، فهو يتقرب بذات الذبح لله، ومثل: الفدية في باب الحج، ومثل الهدي، هدي التمتع والقران.
فلاحظوا في هذه الصور المسلم يتقرب إلى الله -تبارك وتعالى- بسفك الدم قربة لله، وما عدا ذلك، فإنه لا يتقرب بذات الذبح، يعني في إكرام الضيف، هل أنت تتقرب بذات الذبح؟ لا يتقرب بذات الذبح، وإنما هو يتقرب إلى الله بإكرام الضيف، بأي صورة كان هذا الإكرام، ولا يتقرب إليه بذات الذبح إلا في هذه الصور، وما عداه، فإنه لا يتقرب بذات الذبح لله -تبارك وتعالى.
القسم الثاني: أن يذبح باسم الله، لكن لغير الله، يذكر اسم الله على هذه الذبيحة التي القصد منها لغير الله، كاتقاء شر الجن، بناءً على طلب الساحر والكاهن، فهذا شرك في العبادة، ومن هذا القسم: أن يذبح أيضًا باسم الله وباسم غيره لغير الله، فإنه يلحق بهذا القسم.
القسم الثالث: يذبح باسم الله، لكن لغير الله، وهذا شرك في الاستعانة، وشرك في العبادة، يعني يكون أشد من الأول، الأول ذبح لغير الله باسم الله، وهذا القسم: ذبح لغير الله، وذكر عليها اسم غير الله، كأن يقول الساحر والكاهن: اذبح الذبيحة في المكان الفلاني، ولا توجهها للقبلة، ولا تسمِّ، فيكون اشترك فيه شرك العبادة، وشرك الاستعانة.
القسم الرابع: أن يذبح بغير اسم الله، ويجعل الذبيحة لله، وهذا شرك في الربوبية، ومن هذا القسم: أن يذبح باسم الله، وباسم غير الله -تبارك وتعالى-، ويجعل الذبيحة لله، فإنه يدخل في هذا النوع، ويدخل في قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121].
سؤال: قد يقول قائل: ما الفرق بين الذبح لغير الله، وبين الذبح لله، في مكان يُذبح فيه لغير اللهً؟
{الذبح لغير الله من الشرك الأكبر}.
{والذبح لله في مكان يُذبح فيه لغير الله من الشرك الأصغر}.
لماذا من الشرك الأصغر؟ ولم يكن من الأكبر؟
{باعتبار قصده}.
الأول قصد، والثاني هو لم يقصد الذبح للأصنام، ولا لغير الله، لكن ذبحه لله في مكان يُذبح فيه لغير الله أصبح وسيلة للشرك.
&&&&&&&&&&&&&
النذر:
من مظاهر الشرك: النذر لغير الله، ويقال فيه ما يقال في الذبح سواءً بسواء،
يدل على أن النذر لغير الله من الشرك قول الله -تبارك وتعالى- في وصف المؤمنين: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان : 7] وقوله: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [البقرة: 270]. أين وجه الاستدلال
أن النذر عبادة}
{فإذا ثبت أنه عبادة فصرفها لغير الله شرك}.
كما ذكرنا في القاعدة السابقة، إذا أمر الله بالشيء، بيَّن ثوابه، مدح العاملين به، كما مدح هنا الذين يوفون بالنذر، فدل على أنه عبادة، فإذا ثبت أنه عبادة فصرفه لغير الله شرك كما مر معنا في القاعدة، وقد أجمع المسلمون على ذلك،
من نذر لغير الله، كمن صلى لغير الله قد أشرك بالله الشرك الأكبر.
مثاله: مثال النذر
يقول لفلان: عليَّ نذر، أو لصاحب القبر عليَّ نذر، أو للشيخ الفلاني، للولي الفلاني، وما أشبه ذلك
من أي أنواع الشرك؟ من الشرك الأكبر كما قلنا في الذبح لغير الله -تبارك وتعالى
النذر ما هو؟
هو أن الإنسان يوجب على نفسه عبادة لم تكن واجبة عليه بأصل الشرع، يلزم نفسه بعبادة لم تكن واجبة عليه، ولهذا جاءت النصوص بالنهي عن الدخول في النذر، وأنه لا يغير من قدر الله شيئا، وإنما يستخرج الله به من مال البخيل، الإنسان يعبد الله ابتداءً لا على سبيل المقاضاة،
فإن هذا مكروه
والوفاء به واجب إذا كان نذر طاعة، ويُباح إذا كان مباح، ويحرم إذا كان معصية
ويكون شرك إذا نذر لغير الله.
ما الفرق بين نذر المعصية؟ وبين النذر لغير الله؟
فأولاً: النذر لغير الله هذا ليس لله أصلاً، هو ينذر لمخلوق، بينما نذر المعصية هو ينذر لله، ولكن على معصية من معاصيه، ينذر لا يزور أقاربه، لا يصل رحمه، لا يدخل بيت أبيه، لا يدخل بيت أمه، هذا فعل معصية.
ثانيًا: نذر المعصية كالنذر لصاحب قبر، والنذر، هذا نذر لغير الله، نذر المعصية كالنذر لله بأن يفعل معصية من معاصي الله، الأول شرك، والثاني كبيرة من كبائر الذنوب.
الأول لا ينعقد أصلاً،
ولا تجب فيه كفارة، بل هو شرك تجب التوبة منه، كما يقال في الحلف بغير الله، ليس عليه كفارة، وإنما عليه التوبة والاستغفار
نذر المعصية، هل ينعقد أو لا ينعقد؟ من أهل العلم من قال بأنه لا ينعقد أصلاً، وعليه فإنه لا كفارة فيه، ومن أهل العلم من قال بأنه ينعقد ويحرم الوفاء به، وتجب عليه الكفارة، يعني نذر ألا يزور قريبه، نقول: بأن الوفاء بهذا النذر حرام، يجب أن تزورهم، ماذا يفعل؟ نقول: عليك أن تكفِّر كفارة يمين، ومن أهل العلم من يقول: أصلاً لا ينعقد، ولا شيء عليه، بل عليه التوبة والاستغفار
&&&&&&&&&&&&&&&
الاستعاذة :
من مظاهر الشرك: الاستعاذة بغير الله
يدل على أن الاستعاذة بغير الله شرك، قول الله -تبارك وتعالى- في سورة الجن عن مسلم ومؤمن الجن، أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6]، الواو هنا "وأنه" عطف على قول مؤمن الجن في أول السورة، قال -عز وجل-: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: 1] إي والله، الجن تعجبت من عظمة هذا القرآن. ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: 2] لاحظ كلمة "أحداً" نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، فمؤمن الجن آمنوا بالله -عز وجل- وبينوا أنهم لن يشركوا بربهم أحدا.
وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا * وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ [الجن: 6، 7]، فالشاهد قوله: "يعوذون" الاستعاذة بغير الله شرك؛ لأن مؤمني الجن قالوا: ﴿وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: 2]، ثم ذكروا على وجه الاستنكار أشياء تجري من الإنس في الجاهلية، من جملة هذه الأشياء التي تعجبوا منها ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ كانوا يستيعذون إذا نزلوا منزلاً بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، وربما قربوا القرابين، ربما إذا نزلوا منزلاً ذبحوا للجن، فدلت الآية على ذم أولئك، وإنما ذموا لأنهم صرفوا تلك العبادة لغير الله -تبارك وتعالى-، فكانت الاستعاذة بغير الله شرك على لسان الجن، وذكر الله ذلك في كتابه
فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ هل الإنس زادوا الجن رهقًا وطغيانًا أو العكس؟ الجن زادوا الإنس رهقاً وطغياناً؟ الآية تحتمل هذا وهذا، أن الإنس زادوا الإنس خوفًا وقلقًا، يعني عوملوا بنقيض القصد، كما مر معنا في التمائم، فيعامل الإنسان بنقيض قصده، فزادوهم خوفًا واضطرابًا في القلب، أوجبوا لهم الإرهاق والرهق في الأبدان والأرواح، وهذه معاملة لهم بنقيض قصدهم، وعقوبة لهم، وهذا الجن تستضعفه وتتسلط عليه، فإذا استجاب لهم، وبدأ يقرِّب للسحرة والكهنة، ويقرِّب للجن، هل يزيدونه ضعفاً وخوفًا؟ والجأيضًا هنا تنبيه مهم: ذكرنا أن الذبح لغير الله شرك، ويدخل في الشرك العملي، النذر لغير الله شرك، ويدخل في الشرك القولي، أما الاستعاذة بغير الله فهي شرك اعتقادي، وقولي، وهكذا نواقض الإيمان، ونواقض التَّوحيد منها الاعتقادي، ومنها القولي، ومنها العملي، ومنها الشرك.
ولهذا: من تعلَّق بشيء وُكِلَ إليه كما هي القاعدة، فمن تعلَّق بالله وُكِلَ إلى القوي القادر.
الاستعاذة بمخلوق شرك، الاستعاذة بالمخلوق شرك
الاستعاذة ما معناها؟
هي طلب الالتجاء، طلب الاعتصام، طلب التحرز إلى من يعصمك من شر كل ذي شر.
حقيقتها: الهرب من شيء تخافه، إلى من يعصمك منه.
هذه الاستعاذة، هي مأخوذة من استعاذ يعني مادة استفعل، ومادة استفعل، تعني الطلب غالباً، ولهذا يُقال: استعاذ، استغاث، استجار، استنصر، إلى غير ذلك من هذه المادة التي تعني الطلب.
والاستعاذة لها ثلاثة أركان:
الأول: المستعيذ، وهو العبد.
الثاني: المستعاذ به، وهو اللفظ الذي يستعيذ به، كاستعاذتك بكلمات الله التامات، وهو الله -تبارك وتعالى.
الثالث: المستعاذ منه، وهو من شر كل ذي شر.
لماذا كانت الاستعاذة بغير الله شرك؟ لماذا هي من الشرك؟
كما تقدم بالقواعد السابقة أن الله -عز وجل- قد أمر بالاستعاذة به، فإذا أمر دل على أنها عبادة، فصرفها لغير الله شرك، كما قال -تبارك وتعالى-: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: 200] فأمر الله بها، فدل على أنها عبادة، فصرفها لغير الله شرك، وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]، وقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: 36]، فأمر الله بها، فإذا أمر الله بها دل على أنها عبادة، فصرفها لغير الله شرك، هذا من وجه.
من وجه آخر: أن الاستعاذة هي تعلق القلب، فإذا علَّق قلبه بغير الله -تبارك وتعالى- فقد أشرك بالله -تبارك وتعالى-
من أي الأنواع الاستعاذة؟
تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وانتبه! يقال فهيا ما يقال في الاستعانة والاستغاثة، هي من باب واحد:
من أي الأنواع الاستعاذة؟
تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وانتبه! يقال فهيا ما يقال في الاستعانة والاستغاثة، هي من باب واحد:
القسم الأول: تكون شركًا أكبر، وهو أن يستعيذ بغير الله في ما لا يقدر عليه إلا الله، مثل الاستعاذة بأصحاب القبور، يطلب منهم المدد، يطلب منهم تفريج الكروب، يطلب منهم مغفرة الذنوب، يطلب منهم هداية القلوب، فإن هذه من الشرك الأكبر.
هو سؤال: هل يشترط التلفظ؟ يعني هل يشترط في الاستعاذة أن يتلفظ؟ أو يكفي الاعتقاد القلبي؟
يكفي الاعتقاد، يعني لا يشترط أن يتلفظ باسم صاحب القبر، أو باسم الولي، أو غير ذلك، بل يكفي الاعتقاد، وإن لم يتلفظ، فالذين يأتون لأصحاب القبور، يدعون الأموات، يهتفون بأسمائهم، يا علي، يا حسين، يا عبد القادر، يا فلان، يا فلان، هو يستعين ويستغيث ويستعيذ بغير الله، سواءً هتف باسمه، أو أنه ذهب وتضرع عند قبره، وركع، وسجد، وتمسح معتقدًا أنه سيعيذه من الشرور، فإنه يدخل في الاستعاذة الشركية.
القسم الثاني: تكون من الشرك الأصغر، مثل لو قال: أعوذ بالله وبك، في ما يقدر عليه المخلوق الحي الحاضر، يعني قرن المخلوق بالخالق، والمخلوق يقدر، أما إذا كان المخلوق لا يقدر، فهي من الشرك الأكبر، لكن لو كان يقدر، فقرن المخلوق بالخالق، يعني أشرك في اللفظ، مثل ما شاء الله وشئت، ومثل الحلف بغير الله، كما لو حلف بالنبي، فإن هذا يدخل في الشرك الأصغر؛ لأنه جعل المخلوق مساويًا للخالق، وغالباً هذا يحصل من جُهَّال المسلمين من جهة المساواة بالألفاظ.
أما لو اعتقد أن المخلوق مساويًا للخالق من كل وجه، فيكون هذا من باب الشرك الأكبر.
القسم الثالث: تكون الاستعاذة جائزة، وهي في ما لو استعاذ بالمخلوق الحي، القادر، الحاضر، في ما يقدر عليه، فإن هذا من الأمور الجائزة، كأن تقول لفلان: أعوذ بالله ثم بك، أعوذ بالله من شرِّك، أعذني من شر أطفالك، أعذني من شر مثلاً بهائمك،
قاعدة مهمة: قد يدّعي من يستغيثون ويستعيذون ويستعينون بالأموات وبالجن وبالسحرة والكهنة أنهم يحصل لهم المقصود، يقول مثلاً: هذا مريض يعاني من المرض، فذهبنا للكاهن والساحر، فطلب أن نذبح له ديكًا، ففعلنا ذلك، فشُفي، فهل حصول هذا يدل على الجواز؟ والجواب: لا يدل، ليس هذا بدليل على أن هذه الأفعال الشركية جائزة؛ لأن هذا قد يزين له الشيطان، كما أن السحرة والكهنة، قد يصدقون أحيانًا أو لا؟ يصدق في كلمة، ويكذب عليها مائة كلمة، فكون الشيء يحصل به مصلحة دنيوية من كف شر، أو جلب نفع لا يدل على جواز هذا العمل الشركي،
قاعدة مهمة: قد يدّعي من يستغيثون ويستعيذون ويستعينون بالأموات وبالجن وبالسحرة والكهنة أنهم يحصل لهم المقصود، يقول مثلاً: هذا مريض يعاني من المرض، فذهبنا للكاهن والساحر، فطلب أن نذبح له ديكًا، ففعلنا ذلك، فشُفي، فهل حصول هذا يدل على الجواز؟ والجواب: لا يدل، ليس هذا بدليل على أن هذه الأفعال الشركية جائزة؛ لأن هذا قد يزين له الشيطان، كما أن السحرة والكهنة، قد يصدقون أحيانًا أو لا؟ يصدق في كلمة، ويكذب عليها مائة كلمة، فكون الشيء يحصل به مصلحة دنيوية من كف شر، أو جلب نفع لا يدل على جواز هذا العمل الشركي، كالاستعاذة بالجن، فلا يدل على جواز ذلك، بل العبرة بما دل عليه الشرع
&&&&&&&&&&&&&&
الاستغاثة
يقال في الاستغاثة ما يقال في الاستعاذة سواءً بسواء
الاستغاثة هي طلب الغوث، والغوث يحصل لمن حصل في الشدة والكربة، يخشى معه المضرة الشديدة أو الهلاك، فيقال: إغاثة، يعني يطلب النجدة، فيكون هو في شدة وكربة، كالغريق، كما ذكر الله في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: 15].
مثال للاستغاثة الشركية: كمن يكون في كربة وشدة من مرض، أو يخشى الهلاك في البحر، فيدعو غير الله، ينادي الأموات،
بل هذا شركه أقبح من شرك المشركين الأوائل، المشركون الأوائل إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين، يعبدون الأصنام في الرخاء، في الشدائد يعبدون الله، يعرفون أن الأصنام لا تنفع ولا تفيد في الشدائد، بينما هؤلاء في الرخاء والشدائد بل في الشدائد أشد، إذا وقع أحدهم في كربة، حتى ولو كان يطوف ببيت الله، تجده يهتف بأسماء الأموات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ما وجه كون الاستغاثة بغير الله شرك؟
لأن الاستغاثة بالله عبادة، وصرفها لغير الله شرك، كما قال -تبارك وتعالى-: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: 9]، فأثنى الله عليهم باستغاثتهم بالله -تبارك وتعالى-، فدل على أنها عبادة، وصرفها لغير الله شرك، كما تقدم في القاعدة.
ما الفرق بين الاستغاثة والاستعانة والاستعاذة؟
والجواب: أن الاستغاثة: تكون في من وقع في شدة وكربة، يخشى الهلاك، كالغرق، كأن يكون في البحر، تتلاطم به الأمواج، فهذه يُقال لها استغاثة.
وأما الاستعانة: فهي طلب العون، يطلب من يعينه على رفع المتاع، يطلب من يعينه على إصلاح سيارته، يطلب من يعينه على قضاء حوائجه، فتسمى استعانة.
وأما الاستعاذة: فهي طلب الاعتصام وكفاية الشر.
والحكم فيها واحد، إما شرك أكبر، إذا استعان واستغاث واستعان بغير الله في ما لا يقدر عليه إلا الله، وشرك أصغر إذا قرن غير الله بالله في اللفظ فقط دون الاعتقاد، وجائزة، إذا استعاذ واستعان واستغاث بالمخلوق الحي القادر في ما يقدر عليه المخلوق.
يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ ولَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ * وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: 106، 107
واب: نعم، إن لم يوقعوه في الشرك.
فمن فوائد الآية: أن الاستعاذة بغير الله تورث الخوف والضعف والوجل والرهق، ويُفهم من الآية: أن الاستعاذة بالله تورث قوة وأمنًا.