السبت، 4 يناير 2014

العقيده ( الدرس الرابع عشر )

                                 
الذبح :

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162، 163]، وأيضًا قول الله -تبارك وتعالى- في سورة الكوثر: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2].

دلت الآية في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ النسك هو الذبح، فيجب أن يكون الذبح لله -عز وجل-، فيكون الذبح لغير الله شركًا}.

وقلنا بأن الله -تبارك وتعالى- إذا أمر بالشيء أو بيَّن فضله، أو مدح القائمين به، دل على أنه عبادة، فإذا ثبت أنه عبادة، فصرفه لغير الله شرك، هذه القاعدة ينبغي استحضارها.

فقلنا: الآيتان دلت على أن الذبح لابد أن يكون لله -تبارك وتعالى-، حيث مدح الله -عز وجل- من تقرب إليه بالنسك، وأمر بالذبح له، فإذا ثبت أنه عبادة، فصرفه لغير الله شرك، بل هو من الشرك الأكبر؛ لأن الله -تبارك وتعالى- قرنه بالصلاة، فكما أن من صلى لغير الله فقد أشرك، فكذلك من ذبح لغير الله فقد أشرك بالله الشرك الأكبر.

مما يدل على أن صرف الذبح لغير الله من الشرك: ما جاء في صحيح مسلم، من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، قال: "حدثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأربع كلمات


«لعن الله من ذبح لغير الله»، وهذا يدل على الوعيد الشديد لمن ذبح لغير الله.
«لعن الله لمن آوى محدثاً»، وهذا المحدث سواءً أحدث في الدين، يعني ابتدع، فيتستر عليه، ويحميه من إقامة الحدود عليه، أو من الإنكار عليه، فيتستر عليه لأجل أن ينشر بدعته، أو كان هذا المحدث ارتكب حداً من الحدود، فتستر عليه؛ لأجل ألا يُقام عليه الحد، فيدخل في هذا الوعيد الشديد.
«ولعن الله من لعن والديه»، هل يُعقل أن الرجل يلعن والديه؟ وقد استغرب الصحابة من ذلك، فبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ذلك يكون بالتسبب، يسب الرجل فيسب أباه وأمه، فيكون قد تسبب في لعن والديه عياذاً بالله.


لعن الله من غيَّر منار الأرض»، وقلنا المراد بالمنار: العلامات التي يُهتدى بها في الطرقات، وكانوا في القديم يضعون علامات يهتدي بها المارة، وتهتدي بها القوافل حتى لا تتيه فتهلك في الصحراء، فيأتي من يغيرها فيضل السالك لهذه الطرق، وقلنا بأن اللوحات الإرشادية في عصرنا التي تبين اتجاهات المدن، والمسافات بين المدن، يأتي من يغيرها، أو يغير الاتجاه، يغير المسافات، فيدخل في هذا الوعيد؛

والشاهد في الحديث: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لعن الله من ذبح لغير الله»، فدل على أن الذبح يجب صرفه لله، فمن صرفه لغير الله -تبارك وتعالى- فقد أشرك بالله -تبارك وتعالى.

سواءً كان هذا المذبوح كان عظيماً كقَرَّب الإبل، قرَّب الغنم، أو كان حقيراً، حتى لو قرَّب ذبابًا أو نحو ذلك، فإنه يدخل في هذا الوعيد الشديد

الذبح من جهة العموم ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يذبح لغير الله تقربًا وتعظيمًا، يذبح لعظيم تقربًا إليه، يذبح لقبر إلى غير ذلك، يذبح لولي، فإن هذا من الشرك الأكبر.

القسم الثاني: أن يذبح لغير الله فرحًا بقدومه، كقدوم رئيس، أو وزير، أو سلطان، يقدم إلى بلد، فيأتي بالقرابين والخراف، فيذبحونها عند قدومه، فما حكم هذا الفعل؟ وهذا قد يوجد في بعض البلدان، يفعلون هذا لأجل تعظيم هذا الرجل، فنقول: إن ذُبحت هذه الذبائح والقرابين لأجل التعظيم له، بحيث يُسكب الدم، ثم يمر ويعبر، ولا يأكل منها شيئًا، فيكون هذا من الذبح لغير الله، فيدخل في باب الشرك، لكن لو ذُبحت لأجل الإطعام، فإن هذا لا بأس به، ولهذا تجد من الناس في الضيافة يقول: أتاني فلان فذبحت له، أو تذبح له، هو لا يقصد هنا الذبح له تعظيمًا له بسفك الدم، وإنما يقصد بالذبح هنا من باب الإكرام والضيافة

يدخل في القسم الأول وهو الذبح لغير الله، سواءً ذكر عليه اسم الله، أو لم يذكر عليه اسم الله، لو قال: أنا ذكرت على الذبيحة اسم الله، كما لو طلب الساحر والكاهن من المريض أن يذبح ذبيحة بمواصفات معينة، وهذا يحصل، تجد أن الساحر أو الكاهن أو المشعوذ، يطلب من المريض أن يذبح ديكًا، أو يذبح خروفًا بلون معين، وفي مكان محدد، فيأتي هو فيذكر اسم الله ويذبح هذا الطير، فنقول: هذا الذبح لغير الله، حتى ولو ذكر عليه اسم الله، فيكون قد أهلَّ به لغير الله -تبارك وتعالى-، حتى ولو ذكر عليه اسم الله، أو ذكر عليه اسم الله واسم غيره.

الأقسام الشركية في باب الذبح أربعة أقسام:
القسم الأول: أن يذبحها لغير الله، ويذكر عليها اسم غير الله، كاسم الولي، أو اسم الساحر والكاهن ونحو ذلك، فهذا لا شك بأنه من الشرك الأكبر أيًّا كانت هذه الذبيحة، ذبحها لغير الله، وذكر عليها اسم غير الله.

القسم الثاني: ذبحها لغير الله، وذكر عليها اسم الله، ذبح هذا الطير، أو هذا الخروف بناءً على طلب الساحر والكاهن في مكان محدد، وقال: بسم الله، حتى ولو وجهها للقبلة، ثم ذهب وتركها، فيكون هذا أيضًا من الشرك.

القسم الثالث: ذبحها لغير الله، وذكر عليها اسم الله، واسم غيره، لو ذبحها بناءً على طلب الساحر والكاهن والمشعوذ، ثم ذكر اسم الله، واسم الولي، أو اسم الجني، أو اسم الساحر والكاهن، فيكون أيضًا من الذبح الشركي.

القسم الرابع: ذبحها لله، وذكر عليها اسم غير الله، قد يُقال بأن هذا لا يقع، لكن هو من باب التقسيم، لو ذبح ذبيحته لله، لكن ذكر عليها اسم غير الله، فيكون قد أهلَّ بها لغير الله، حتى ولو كانت لله -تبارك وتعالى-؛ لأن الله -تبارك وتعالى- يقول: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 173]، وقال: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3] فإنه يدخل في ذلك القصد، ويدخل في ذلك التسمية

فينبغي في باب الذبح أن تتنبه إلى أمرين مهمين، يدور عليهما الحكم:
الأمر الأول: القصد بهذه الذبيحة، هل هي لله؟ أم لغيره؟

الأمر الثاني: التسمية، فالقصد بأن يذبح متقربًا، لمن يريد أن يتقرب إليه، يعني يُنظر في القصد من هذه الذبيحة التي ذبحها على عتبة الباب، ذبحها في الوادي، ذبحها بناءً على طلب الساحر، بناءً على طلب الكاهن، بناءً على طلب المشعوذ، ذبحها عند قبر الولي، فيُنظر في القصد من هذه الذبيحة، حتى لو ذكر عليها اسم الله.
الثاني: أن يُنظر في التسمية، بغض النظر عن القصد، هل ذكر اسم الله، واسم غيره، أو ذكر اسم الله، أو ذكر اسم غير الله على هذه الذبيحة.
فعليه: فإن الذبح بهذين الاعتبارين، باعتبار القصد والتسمية، ينقسم إلى أربعة أقسام:

الأول: أن يذبح باسم الله لله، وهذا هو المشروع الذي هو من حقيقة التَّوحيد، كما مر معنا في الآيات السابقة ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾.

لكن هنا سؤال: متى يتقرب العبد بذات الذبح؟ متى يكون ذات الذبح قربة وطاعة؟
{إذا كان مأمورًا، إذا أمره الله -عز وجل- أو ورد الأمر بها في نص}.

مثل؟
{مثل العقيقة}.
العقيقة، فهو يتقرب بذات الذبح، لا بذات اللحم، وثانيا: الأضحية، فهو يتقرب بذات الذبح لله، ومثل: الفدية في باب الحج، ومثل الهدي، هدي التمتع والقران.

فلاحظوا في هذه الصور المسلم يتقرب إلى الله -تبارك وتعالى- بسفك الدم قربة لله، وما عدا ذلك، فإنه لا يتقرب بذات الذبح، يعني في إكرام الضيف، هل أنت تتقرب بذات الذبح؟ لا يتقرب بذات الذبح، وإنما هو يتقرب إلى الله بإكرام الضيف، بأي صورة كان هذا الإكرام، ولا يتقرب إليه بذات الذبح إلا في هذه الصور، وما عداه، فإنه لا يتقرب بذات الذبح لله -تبارك وتعالى.

القسم الثاني: أن يذبح باسم الله، لكن لغير الله، يذكر اسم الله على هذه الذبيحة التي القصد منها لغير الله، كاتقاء شر الجن، بناءً على طلب الساحر والكاهن، فهذا شرك في العبادة، ومن هذا القسم: أن يذبح أيضًا باسم الله وباسم غيره لغير الله، فإنه يلحق بهذا القسم.
القسم الثالث: يذبح باسم الله، لكن لغير الله، وهذا شرك في الاستعانة، وشرك في العبادة، يعني يكون أشد من الأول، الأول ذبح لغير الله باسم الله، وهذا القسم: ذبح لغير الله، وذكر عليها اسم غير الله، كأن يقول الساحر والكاهن: اذبح الذبيحة في المكان الفلاني، ولا توجهها للقبلة، ولا تسمِّ، فيكون اشترك فيه شرك العبادة، وشرك الاستعانة.
القسم الرابع: أن يذبح بغير اسم الله، ويجعل الذبيحة لله، وهذا شرك في الربوبية، ومن هذا القسم: أن يذبح باسم الله، وباسم غير الله -تبارك وتعالى-، ويجعل الذبيحة لله، فإنه يدخل في هذا النوع، ويدخل في قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121].


سؤال: قد يقول قائل: ما الفرق بين الذبح لغير الله، وبين الذبح لله، في مكان يُذبح فيه لغير اللهً؟
{الذبح لغير الله من الشرك الأكبر}.
{والذبح لله في مكان يُذبح فيه لغير الله من الشرك الأصغر}.


لماذا من الشرك الأصغر؟ ولم يكن من الأكبر؟
{باعتبار قصده}.
الأول قصد، والثاني هو لم يقصد الذبح للأصنام، ولا لغير الله، لكن ذبحه لله في مكان يُذبح فيه لغير الله أصبح وسيلة للشرك.


                   &&&&&&&&&&&&&
النذر:

من مظاهر الشرك: النذر لغير الله، ويقال فيه ما يقال في الذبح سواءً بسواء،

يدل على أن النذر لغير الله من الشرك قول الله -تبارك وتعالى- في وصف المؤمنين: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان : 7] وقوله: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [البقرة: 270]. أين وجه الاستدلال
أن النذر عبادة}
{فإذا ثبت أنه عبادة فصرفها لغير الله شرك}.
كما ذكرنا في القاعدة السابقة، إذا أمر الله بالشيء، بيَّن ثوابه، مدح العاملين به، كما مدح هنا الذين يوفون بالنذر، فدل على أنه عبادة، فإذا ثبت أنه عبادة فصرفه لغير الله شرك كما مر معنا في القاعدة، وقد أجمع المسلمون على ذلك،
من نذر لغير الله، كمن صلى لغير الله قد أشرك بالله الشرك الأكبر.

مثاله: مثال النذر
يقول لفلان: عليَّ نذر، أو لصاحب القبر عليَّ نذر، أو للشيخ الفلاني، للولي الفلاني، وما أشبه ذلك
من أي أنواع الشرك؟ من الشرك الأكبر كما قلنا في الذبح لغير الله -تبارك وتعالى

النذر ما هو؟
هو أن الإنسان يوجب على نفسه عبادة لم تكن واجبة عليه بأصل الشرع، يلزم نفسه بعبادة لم تكن واجبة عليه، ولهذا جاءت النصوص بالنهي عن الدخول في النذر، وأنه لا يغير من قدر الله شيئا، وإنما يستخرج الله به من مال البخيل، الإنسان يعبد الله ابتداءً لا على سبيل المقاضاة،
فإن هذا مكروه
والوفاء به واجب إذا كان نذر طاعة، ويُباح إذا كان مباح، ويحرم إذا كان معصية
ويكون شرك إذا نذر لغير الله.

ما الفرق بين نذر المعصية؟ وبين النذر لغير الله؟
فأولاً: النذر لغير الله هذا ليس لله أصلاً، هو ينذر لمخلوق، بينما نذر المعصية هو ينذر لله، ولكن على معصية من معاصيه، ينذر لا يزور أقاربه، لا يصل رحمه، لا يدخل بيت أبيه، لا يدخل بيت أمه، هذا فعل معصية.

ثانيًا: نذر المعصية كالنذر لصاحب قبر، والنذر، هذا نذر لغير الله، نذر المعصية كالنذر لله بأن يفعل معصية من معاصي الله، الأول شرك، والثاني كبيرة من كبائر الذنوب.

الأول لا ينعقد أصلاً،
ولا تجب فيه كفارة، بل هو شرك تجب التوبة منه، كما يقال في الحلف بغير الله، ليس عليه كفارة، وإنما عليه التوبة والاستغفار

نذر المعصية، هل ينعقد أو لا ينعقد؟ من أهل العلم من قال بأنه لا ينعقد أصلاً، وعليه فإنه لا كفارة فيه، ومن أهل العلم من قال بأنه ينعقد ويحرم الوفاء به، وتجب عليه الكفارة، يعني نذر ألا يزور قريبه، نقول: بأن الوفاء بهذا النذر حرام، يجب أن تزورهم، ماذا يفعل؟ نقول: عليك أن تكفِّر كفارة يمين، ومن أهل العلم من يقول: أصلاً لا ينعقد، ولا شيء عليه، بل عليه التوبة والاستغفار
                         &&&&&&&&&&&&&&&

الاستعاذة :
من مظاهر الشرك: الاستعاذة بغير الله

يدل على أن الاستعاذة بغير الله شرك، قول الله -تبارك وتعالى- في سورة الجن عن مسلم ومؤمن  الجن، أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6]، الواو هنا "وأنه" عطف على قول مؤمن الجن في أول السورة، قال -عز وجل-: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: 1] إي والله، الجن تعجبت من عظمة هذا القرآن. ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: 2] لاحظ كلمة "أحداً" نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، فمؤمن الجن آمنوا بالله -عز وجل- وبينوا أنهم لن يشركوا بربهم أحدا.

وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا * وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ [الجن: 6، 7]، فالشاهد قوله: "يعوذون" الاستعاذة بغير الله شرك؛ لأن مؤمني الجن قالوا: ﴿وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: 2]، ثم ذكروا على وجه الاستنكار أشياء تجري من الإنس في الجاهلية، من جملة هذه الأشياء التي تعجبوا منها ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ كانوا يستيعذون إذا نزلوا منزلاً بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، وربما قربوا القرابين، ربما إذا نزلوا منزلاً ذبحوا للجن، فدلت الآية على ذم أولئك، وإنما ذموا لأنهم صرفوا تلك العبادة لغير الله -تبارك وتعالى-، فكانت الاستعاذة بغير الله شرك على لسان الجن، وذكر الله ذلك في كتابه

فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ هل الإنس زادوا الجن رهقًا وطغيانًا أو العكس؟ الجن زادوا الإنس رهقاً وطغياناً؟ الآية تحتمل هذا وهذا، أن الإنس زادوا الإنس خوفًا وقلقًا، يعني عوملوا بنقيض القصد، كما مر معنا في التمائم، فيعامل الإنسان بنقيض قصده، فزادوهم خوفًا واضطرابًا في القلب، أوجبوا لهم الإرهاق والرهق في الأبدان والأرواح، وهذه معاملة لهم بنقيض قصدهم، وعقوبة لهم، وهذا الجن تستضعفه وتتسلط عليه، فإذا استجاب لهم، وبدأ يقرِّب للسحرة والكهنة، ويقرِّب للجن، هل يزيدونه ضعفاً وخوفًا؟ والجأيضًا هنا تنبيه مهم: ذكرنا أن الذبح لغير الله شرك، ويدخل في الشرك العملي، النذر لغير الله شرك، ويدخل في الشرك القولي، أما الاستعاذة بغير الله فهي شرك اعتقادي، وقولي، وهكذا نواقض الإيمان، ونواقض التَّوحيد منها الاعتقادي، ومنها القولي، ومنها العملي، ومنها الشرك.

ولهذا: من تعلَّق بشيء وُكِلَ إليه كما هي القاعدة، فمن تعلَّق بالله وُكِلَ إلى القوي القادر.
الاستعاذة بمخلوق شرك، الاستعاذة بالمخلوق شرك

الاستعاذة ما معناها؟
هي طلب الالتجاء، طلب الاعتصام، طلب التحرز إلى من يعصمك من شر كل ذي شر.
حقيقتها: الهرب من شيء تخافه، إلى من يعصمك منه.

هذه الاستعاذة، هي مأخوذة من استعاذ يعني مادة استفعل، ومادة استفعل، تعني الطلب غالباً، ولهذا يُقال: استعاذ، استغاث، استجار، استنصر، إلى غير ذلك من هذه المادة التي تعني الطلب.
والاستعاذة لها ثلاثة أركان:
الأول: المستعيذ، وهو العبد.
الثاني: المستعاذ به، وهو اللفظ الذي يستعيذ به، كاستعاذتك بكلمات الله التامات، وهو الله -تبارك وتعالى.
الثالث: المستعاذ منه، وهو من شر كل ذي شر.


لماذا كانت الاستعاذة بغير الله شرك؟ لماذا هي من الشرك؟
كما تقدم بالقواعد السابقة أن الله -عز وجل- قد أمر بالاستعاذة به، فإذا أمر دل على أنها عبادة، فصرفها لغير الله شرك، كما قال -تبارك وتعالى-: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: 200] فأمر الله بها، فدل على أنها عبادة، فصرفها لغير الله شرك، وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]، وقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: 36]، فأمر الله بها، فإذا أمر الله بها دل على أنها عبادة، فصرفها لغير الله شرك، هذا من وجه.

من وجه آخر: أن الاستعاذة هي تعلق القلب، فإذا علَّق قلبه بغير الله -تبارك وتعالى- فقد أشرك بالله -تبارك وتعالى-

من أي الأنواع الاستعاذة؟
تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وانتبه! يقال فهيا ما يقال في الاستعانة والاستغاثة، هي من باب واحد:

من أي الأنواع الاستعاذة؟
تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وانتبه! يقال فهيا ما يقال في الاستعانة والاستغاثة، هي من باب واحد:

القسم الأول: تكون شركًا أكبر، وهو أن يستعيذ بغير الله في ما لا يقدر عليه إلا الله، مثل الاستعاذة بأصحاب القبور، يطلب منهم المدد، يطلب منهم تفريج الكروب، يطلب منهم مغفرة الذنوب، يطلب منهم هداية القلوب، فإن هذه من الشرك الأكبر.
هو سؤال: هل يشترط التلفظ؟ يعني هل يشترط في الاستعاذة أن يتلفظ؟ أو يكفي الاعتقاد القلبي؟

يكفي الاعتقاد، يعني لا يشترط أن يتلفظ باسم صاحب القبر، أو باسم الولي، أو غير ذلك، بل يكفي الاعتقاد، وإن لم يتلفظ، فالذين يأتون لأصحاب القبور، يدعون الأموات، يهتفون بأسمائهم، يا علي، يا حسين، يا عبد القادر، يا فلان، يا فلان، هو يستعين ويستغيث ويستعيذ بغير الله، سواءً هتف باسمه، أو أنه ذهب وتضرع عند قبره، وركع، وسجد، وتمسح معتقدًا أنه سيعيذه من الشرور، فإنه يدخل في الاستعاذة الشركية.

القسم الثاني: تكون من الشرك الأصغر، مثل لو قال: أعوذ بالله وبك، في ما يقدر عليه المخلوق الحي الحاضر، يعني قرن المخلوق بالخالق، والمخلوق يقدر، أما إذا كان المخلوق لا يقدر، فهي من الشرك الأكبر، لكن لو كان يقدر، فقرن المخلوق بالخالق، يعني أشرك في اللفظ، مثل ما شاء الله وشئت، ومثل الحلف بغير الله، كما لو حلف بالنبي، فإن هذا يدخل في الشرك الأصغر؛ لأنه جعل المخلوق مساويًا للخالق، وغالباً هذا يحصل من جُهَّال المسلمين من جهة المساواة بالألفاظ.
أما لو اعتقد أن المخلوق مساويًا للخالق من كل وجه، فيكون هذا من باب الشرك الأكبر.



القسم الثالث: تكون الاستعاذة جائزة، وهي في ما لو استعاذ بالمخلوق الحي، القادر، الحاضر، في ما يقدر عليه، فإن هذا من الأمور الجائزة، كأن تقول لفلان: أعوذ بالله ثم بك، أعوذ بالله من شرِّك، أعذني من شر أطفالك، أعذني من شر مثلاً بهائمك،

قاعدة مهمة: قد يدّعي من يستغيثون ويستعيذون ويستعينون بالأموات وبالجن وبالسحرة والكهنة أنهم يحصل لهم المقصود، يقول مثلاً: هذا مريض يعاني من المرض، فذهبنا للكاهن والساحر، فطلب أن نذبح له ديكًا، ففعلنا ذلك، فشُفي، فهل حصول هذا يدل على الجواز؟ والجواب: لا يدل، ليس هذا بدليل على أن هذه الأفعال الشركية جائزة؛ لأن هذا قد يزين له الشيطان، كما أن السحرة والكهنة، قد يصدقون أحيانًا أو لا؟ يصدق في كلمة، ويكذب عليها مائة كلمة، فكون الشيء يحصل به مصلحة دنيوية من كف شر، أو جلب نفع لا يدل على جواز هذا العمل الشركي،

قاعدة مهمة: قد يدّعي من يستغيثون ويستعيذون ويستعينون بالأموات وبالجن وبالسحرة والكهنة أنهم يحصل لهم المقصود، يقول مثلاً: هذا مريض يعاني من المرض، فذهبنا للكاهن والساحر، فطلب أن نذبح له ديكًا، ففعلنا ذلك، فشُفي، فهل حصول هذا يدل على الجواز؟ والجواب: لا يدل، ليس هذا بدليل على أن هذه الأفعال الشركية جائزة؛ لأن هذا قد يزين له الشيطان، كما أن السحرة والكهنة، قد يصدقون أحيانًا أو لا؟ يصدق في كلمة، ويكذب عليها مائة كلمة، فكون الشيء يحصل به مصلحة دنيوية من كف شر، أو جلب نفع لا يدل على جواز هذا العمل الشركي، كالاستعاذة بالجن، فلا يدل على جواز ذلك، بل العبرة بما دل عليه الشرع

                         &&&&&&&&&&&&&&
الاستغاثة
يقال في الاستغاثة ما يقال في الاستعاذة سواءً بسواء

الاستغاثة هي طلب الغوث، والغوث يحصل لمن حصل في الشدة والكربة، يخشى معه المضرة الشديدة أو الهلاك، فيقال: إغاثة، يعني يطلب النجدة، فيكون هو في شدة وكربة، كالغريق، كما ذكر الله في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: 15].

مثال للاستغاثة الشركية: كمن يكون في كربة وشدة من مرض، أو يخشى الهلاك في البحر، فيدعو غير الله، ينادي الأموات،
بل هذا شركه أقبح من شرك المشركين الأوائل، المشركون الأوائل إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين، يعبدون الأصنام في الرخاء، في الشدائد يعبدون الله، يعرفون أن الأصنام لا تنفع ولا تفيد في الشدائد، بينما هؤلاء في الرخاء والشدائد بل في الشدائد أشد، إذا وقع أحدهم في كربة، حتى ولو كان يطوف ببيت الله، تجده يهتف بأسماء الأموات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ما وجه كون الاستغاثة بغير الله شرك؟
لأن الاستغاثة بالله عبادة، وصرفها لغير الله شرك، كما قال -تبارك وتعالى-: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: 9]، فأثنى الله عليهم باستغاثتهم بالله -تبارك وتعالى-، فدل على أنها عبادة، وصرفها لغير الله شرك، كما تقدم في القاعدة.

ما الفرق بين الاستغاثة والاستعانة والاستعاذة؟
والجواب: أن الاستغاثة: تكون في من وقع في شدة وكربة، يخشى الهلاك، كالغرق، كأن يكون في البحر، تتلاطم به الأمواج، فهذه يُقال لها استغاثة.
وأما الاستعانة: فهي طلب العون، يطلب من يعينه على رفع المتاع، يطلب من يعينه على إصلاح سيارته، يطلب من يعينه على قضاء حوائجه، فتسمى استعانة.
وأما الاستعاذة: فهي طلب الاعتصام وكفاية الشر.

والحكم فيها واحد، إما شرك أكبر، إذا استعان واستغاث واستعان بغير الله في ما لا يقدر عليه إلا الله، وشرك أصغر إذا قرن غير الله بالله في اللفظ فقط دون الاعتقاد، وجائزة، إذا استعاذ واستعان واستغاث بالمخلوق الحي القادر في ما يقدر عليه المخلوق.
يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ ولَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ * وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: 106، 107


واب: نعم، إن لم يوقعوه في الشرك.

فمن فوائد الآية: أن الاستعاذة بغير الله تورث الخوف والضعف والوجل والرهق، ويُفهم من الآية: أن الاستعاذة بالله تورث قوة وأمنًا.

الخميس، 26 ديسمبر 2013

العقيدة ( المحاضرة الثالثة عشر )

درسنا عن مظهر من مظاهر الشرك، ألا وهو التَّبرُّك بالشجر والحجر ونحوهما

فالبَّركة هي كثرة الخير وسعته
ولهذا كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- للمتزوجين في أول زواجهما، كان يقول لهما: «بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير»، فالبَّركة من الأمور المحبوبة لدى الناس،

فينبغي للمسلم أن يعرف الأمور التي جعل الله فيها البَّركة فيقتصر عليها، ويعرف الأمور التي لم يجعل الله -عز وجل- فيها البَّركة فيحذرها ويبتعد عنها، خشية أن يقع في الشرك.


قاعدة مهمة،:
لا يتبرك بشيء من الأشياء إلا ما ثبت في الشرع أنه يتبرك به، لا يتبرك بشيء من الأشياء إلا ما جاء الدليل الشرعي من الكتاب والسنة الصحيحة أن الله -عز وجل- جعل فيه البَّركة، وبيان كيفية البَّركة به، هذه القاعدة ينبغي للمسلم أن يستحضرها في هذا الباب.

كلمة البَّركة والتَّبرُّك تعني طلب الخير ورجاؤه واعتقاده

فالبَّركة من الله -عز وجل-، فالله -تبارك وتعالى- هو الذي يبارك تبارك وتعالى، وعليه: فإنه لا يجوز للمخلوق أن يقول: باركت عليك، ولا يجوز للمخلوق أن يقول: أبارك فعلكم، تجد أحيانًا من الناس من يتساهل في هذا، فيقال: أبارك فعلك، نقول: وهل أنت الذي تهب البَّركة؟ هذا من التعالي على الله -عز وجل-، فإذن لفظ البَّركة ومعناه إنما هو من الله -تبارك وتعالى-؛ لأن الخير كثرته وثباته ولزومه إنما هو من الذي بيده الأمر كله -تبارك وتعالى-، وليس للمخلوق.
ولهذا لا يعتقد في المخلوق أنه هو الذي يبارك بذاته، إلا إذا جعله الله سببًا.

فاختص الله -عز وجل- كتابه بأنه مبارك، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: 92]، وكذلك رسوله -عليه الصلاة والسلام- مبارك، وبيته الحرام مبارك، ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: 96]، وكذلك اختص بعض الأزمنة بالبركة، كليلة القدر، ليلة مباركة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 3].

وكذلك وصف بعض الأمكنة بالبَّركة، فالبَّركة إذن كلها من الله -تبارك وتعالى-،
فإن المسلم يبحث عن الأشياء التي جعل الله -تعالى- فيها البَّركة مما جاء الدليل من الكتاب والسنة الصحيحة بأن الله -عز وجل- جعل في هذا الشيء بركة، كماء المطر مبارك، ماء زمزم مبارك، هذه قاعدة ينبغي التنبه لها.

سؤال: إذا كان الله -عز وجل- قد اختص بعض الأشياء فجعل فيها بركة، فكيف التَّبرُّك؟
والجواب: أن التَّبرُّك بهذه الأشياء يختلف، قد تكون البَّركة فيها معنوية، وقد تكون البَّركة فيها ذاتية، مثال: البيت الحرام، هل بركته ذاتية، أم بركته معنوية؟ معنوية، أين البركة فيه؟ أين البركة في البيت الحرام؟ أين البركة في المسجد الحرام؟
{في العبادة التي يؤديها المسلم}.
أن الصلاة فيه عن مائة ألف صلاة، فهي بركة معنوية من جهة أن الله -عز وجل- جعل فضل الصلاة في المسجد الحرام عن مائة ألف صلاة، كذلك فضل الطواف، إلى غير ذلك، فالبركة فيه بركة معنوية، وليست بركة ذاتية، بمعنى أن الإنسان لا يتمسح بأركان البيت، لا يتمسح بالمقام، لا يتمسح بالصفا أو المروة، فالبركة هنا ليست بركة ذاتية، وإنما هي بركة معنوية من جهة الصلاة فيه.

ماء زمزم مثلاً بركته ذاتية أو معنوية؟
{ذاتية}.
نعم، من جهة ماذا؟
من جهة شربها «فهو طعام طعم وشفاء سقم».

قد تكون البَّركة معنوية، وقد تكون البَّركة ذاتية، مثلاً: الحجر الأسود أين البَّركة فيه؟ أين البَّركة في الحجر الأسود؟
من جهة أن مسحه يحط الخطايا، فالبركة هنا من جهة استلامه عند الطواف، فهو يحط الخطايا والذنوب.

مثال: الأزمنة ليلة القدر مثلاً، أين البَّركة فيها؟ أن من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر الله ما تقدم من ذنبه، ومن جهة أن العبادة فيها خير من العبادة في ألف شهر

الأشخاص: الله -عز وجل- قد جعل في بعض الأشخاص بركة، هذه البَّركة في ذواتهم؟ أم البَّركة معنوية؟ البركة معنوية، من أين تأتي البَّركة؟ لما يقال هذا رجل مبارك، أو زارك ضيف فقلت: زارتنا البَّركة، البَّركة معنوية، أين البَّركة؟ أين البَّركة في الأشخاص؟
{البَّركة في دعائه لك مثلاً، في علمه}.

نعم، قد يدعو لك، وهم القوم لا يشقى بهم جليسهم، يعلمك، ينصح لك، رجل آتاه الله الحكمة، رجل إذا شهدته ذكرت الله، يحثك على الخير، فهنا تأتي البَّركة من جهة النفع الذي يقدمه لك هذا الشخص من النصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،

ولهذا قال أسيد بن حضير لآل بكر لما نزلت آية التيمم: "ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر" وآل أبي بكر أسرة مباركة، الصديق صاحب النبي -صلى الله عليه وسلم- ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾
بنته عائشة الصديقة بنت الصديق، المبرئة من فوق سبع سماوات، من أفضل نساء العالمين أسماء ذات النطاقين، بنت أبي بكر، فهي أسرة مباركة.
هنا تأتي البَّركة من الأشخاص، وهي بركة معنوية، من جهة النفع، والخير، والنصح، والحكمة، إلى غير ذلك.

وكل مسلم فيه بركة، بركة معنوية، وليست بركة ذاتية، يعني مثال نقول: إمام المسجد، إمام الحرم، فيه بركة أم لا؟ ذاتية أم معنوية؟ معنوية، ولهذا من الخطأ أن بعض المسلمين إذا شاهد إمام الحرم، تجده يلاحقه فيتمسح بالرداء الذي عليه، هذا خطأ، هذا من الشِّرك، إذن أين البَّركة؟ البَّركة من جهة الدعاء، من جهة النصح، وليست ذاتية، بمعنى أنك لا تتبرك بذوات الصالحين، لا تتبرك بذات المسلمين، لكنك تتبرك بنصحهم بإرشادهم، بتعليمهم إلى غير ذلك

أقسام البَّركة:
- هناك بركة دينية.
- وهناك بركة دنيوية.
- وهناك بركة دينية ودنيوية.
مثال: القرآن مثلاً، بركته دينية ودنيوية، أين البَّركة الدينية فيه؟ في تلاوته، والاهتداء بهديه، فهذه بركة دينية
وبركته الدنيوية الاستشفاء به، فهو شفاء، من بركته الدنيوية ما فيه من العلوم، علوم الطب، وعلوم الفلك، وغيرها من العلوم والقصص.
هل بركته معنوية أو ذاتية؟
يعني أنت تأخذ المصحف وتضعه في بيتك، تأخذه وتزخرف به الجدران، هذه ليست بركة، البَّركة تكون بتلاوته، بالاستشفاء به، فهي بركة معنوية، وليست بركة ذاتية، بخلاف ماء زمزم، بركة ذاتية، من جهة الشرب، لكن لو وضعته هكذا فقط، وضعته في البيت، تقول تحل البَّركة، لا يصلح، هذه بركة ذاتية، من جهة شربه للاستشفاء، «ماء زمزم لما شُرِبَ له»
المساجد الثلاثة بركتها دينية، من جهة أن الصلاة فيها مضاعفة،
المطر بركته دنيوية، وبركته معنوية أو حسية؟ بركته حسية، فهو ماء مبارك.
هذا ما يتعلق بالتَّبرك المشروع، مما دل عليه الكتاب والسنة.

النوع الثاني التَّبرك الممنوع، وهو التَّبرُّك الشركي، وهو الذي يفعله المشركون، فيطلبونه من غير الله، ويطلبونه في أشياء لم يجعل الله فيه البَّركة، يعتقدون فيها النفع، ويعتقدون فيها البَّركة، والأمر ليس كذلك، بل قد نهى الشرع عنها، فكانوا يرجون البَّركة، ويرجون الخير ودوامه، ولزومه وثباته بالتوجه إلى معبوداتهم الشِّركيَّة، ربما طلبوه في أشجار، وأحجار، وبقاع، وآثار، فهذا لهو المحذور، والمنهي عنه،

يقول الله -تبارك وتعالى- في سورة النجم منكرًا على المشركين: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: 19- 22] هذه الآية جاءت في توبيخ المشركين الذين عبدوا هذه الأصنام الثلاثة، وهذه الأصنام الثلاثة: اللَّات كانت صخرة، ومناة أيضًا صخرة، وأما العُزَّى فهي شجرة،
فوجه الاستدلال بالآية: أن التَّبرُّك بالشجر والحجر ونحوهما شرك أكبر، وهذا ظاهر؛ لأن هؤلاء المشركون ما عبدوها إلا ويرجون بركتها، بجلب النفع ودفع الضر، ولهذا يلجئون إليها لهذا الغرض، فعليه فكل من تبرك بحجر، أو شجر، أو قبر، أو غير ذلك قاصدًا بذلك جلب النفع أو دفع الضر، فقد شابه المشركين الأوائل، ودخل في شركهم
إن قال: أنا لا أعتقد ما يعتقده المشركون، أعتقد أن الله جعل في قبور هؤلاء بركة، فيكون هذا من باب الشرك الأصغر، طبعًا هذا إذا لم يقرب قرابين، وإنما تمسح مثلاً بالمقام، تمسح بالجبل، تمسح بأركان البيت، غير الحجر الأسود، يعتقد أن فيها بركة، فيكون هذا من أي باب؟ من الشرك الأصغر؟ لماذا قلنا أنه من الشرك الأصغر؟ القاعدة التي ذكرناها سابقًا، ما لم يجعله الله سبب، فإذا اعتقد أن الله جعل فيها بركة، فيكون هذا من باب الشرك الأصغر،
فحينئذ نقول: أن السلف يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر بجامع العلة بينهما
الأفعال التي تفعل عند القبور تدل على أن الأمر انتقل من رجاء البَّركة إلى العبادة

من مظاهر الشرك نشير إليها: الذبح لغير الله، يدل عليه قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 163]، وقوله -تبارك وتعالى-: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، أين الشاهد في الآية؟

وجه الاستدلال فيهما: أن الله -عز وجل- جعل النسك وهو الذبح والنحر، النحر يكون للإبل، والذبح يكون للبقر والغنم، جعل الذبح عبادة، فقرنه بالصلاة، وهنا قاعدة عند أهل العلم: أن الشيء إذا ثبت أنه عبادة، فصرفه لغير الله شرك
كيف تعرف أنه عبادة؟ تعرف أنه عبادة إذا أمر الله به، أو أثنى على فاعليه، أو بيَّن ثوابه وفضله، فإذا جاء الدليل في الأمر به، كقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، أو بيَّن فضله وثوابه، أو مدح وأثنى على الفاعلين له، يدل على أن الأمر عبادة، فإذا ثبت أنه عبادة فصرفه لغير الله شرك
الله -عز وجل- أثنى على المؤمنين بهذا الثناء، وقرن النسك وهو الذبح بالصلاة، فدل على أنه عبادة، فحينئذ صرفه لغير الله شرك،

أيضًا: جاء في الذبح لغير الله بخصوصه ما رواه مسلم من حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: "حدثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأربع كلمات: «لعن الله من ذبح لغير الله»" إذن هذا فيه الوعيد الشديد لمن ذبح لغير الله.
فقوله -عليه الصلاة والسلام-: «لعن الله من ذبح لغير الله»، هذا يشمل الذبح لغير الله كائنًا من كان، سواء كان للملائكة، سواءً كان للأنبياء، سواءً كان للأولياء، سواءً كان للصالحين، كذلك يشمل كل من ذبح لغير الله تقربًّا له، أيًّا كانت هذه القربى حتى ولو ذكر عليها اسم الله، وسواءً كان المذبوح عظيمًا، أو كان المذبوح حقيرًا، حتى لو كان مما لا يؤكل، ذبح ذبابًا، ذبح خنزيرًا، طلب منه الساحر والكاهن أن يذبح ذباب، أن يذبح خنزير، أن يذبح كلبًا، يدخل في هذا الوعيد أو لا يدخل؟ يدخل في هذا الوعيد.

الذبح لغير الله ينقسم إلى قسمين:
أولاً: أن يذبح لغير الله تقربًّا وتعظيمًا، وهذا لا شك أنه من الشرك الأكبر.

الثاني: أنه يذبح لغير الله فرحًا بقدومه، إكرامًا له، فهذا جائز، لكن ما يكون ذبح تقربًّا إليه بذات الذبح، وإنما يقصد الطعام، ولهذا بعض الناس يقول أتاني فلان ذبحت له، تذبح له، ليس هو المقصود هنا، هذا يدخل في باب إكرام الضيف،

مثال: قدم رئيس من الرؤساء، فجيء بالأغنام، فذُبحت وهو ينظر ثم عبر وسافر، يكون هذا العمل شرك أو ليس بشرك؟ شرك، لكن قَدِم فذُبحت الذبائح لأجل إكرامه وإطعام الضيوف، هذا من إكرام الضيف، أما أن يسكب الدم وهو ينظر ثم ينصرف، فهذا يكون من الشرك.

العقيدة ( المحاضرة الثانية عشرة )

(مظاهر الشرك الأكبر والأصغر،  المظاهر الاعتقادية والقولية والعملية، )

الشرك له مظاهر وصور كثيرة، منها يما يتعلق باعتقادات القلوب، ومنها ما يتعلق بأقوال اللسان، ومنها ما يتعلق بأعمال الجوارح

المظهر الأول من مظاهر الشرك
لبس الحلق والخيوط ونحوها، إما لرفع البلاء أو لدفعه.
والحلق هي كل شيء مستدير، تكون أطواق توضع على العضد أو على الأيدي أو نحو ذلك تكون من الصفر وهو النحاس، أو من الحديد، أو من الفضة، أو من أي معدن كان، وكان المشركون يضعونها على عضودهم يزعمون أنها تحفظهم من الشرور والآفات ومن الحسد والعين وشرور الجن.
وكذلك الخيوط وهي ما يخاط به
يدخل فيها التمائم ويدخل فيها الخرز، ويدخل فيها الأحذية، ويدخل فيها أقمشة، قد تعلق على السيارات، تعلق على البيوت،

متى تكون هذه الأشياء من الشرك الأكبر؟ ومتى تكون من الشرك الأصغر؟
تكون من الشرك الأكبر إذا اعتقد أن ذات هذه التمائم أنها مؤثرة بذاتها.. فقد جعلها شريكا لله تبارك وتعالى، فتدخل في نوع الشرك الأكبر
تكون من الشرك الأصغر؟
إذا اعتقد أنها أسباب، وهذا هو الغالب، الغالب من بعض جهال المسلمين يعتقد أن النافع والضار هو الله تبارك وتعالى، لكنه يظن ويعتقد أن هذه الأشياء أسباب كالعلاج الحسي ترفع البلاء أو تدفعه، فحينئذ يكون قد جعل الشيء سببا وهو ليس بسبب، فيكون ذلك من الشرك الأصغر.

قاعدة مهمة فيما يتعلق بأحكام الأسباب التي يستعملها المسلم لرفع الشرور أو لدفعها.
أولا: لا يجعل الشيء سببا وهو ليس بسبب لا من جهة الشرع ولا من جهة الحس الظاهر
والأمر الثاني: لا يعتقد العبد أن الأسباب هي مؤثرة بذاتها، بل يعتمد على مسببها وهو الله تبارك وتعالى.
والأمر الثالث: أن يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقدر الله تبارك وتعالى، لا خروج عن قضاء الله وقدره،

من الأدلة الدالة على أن الخيوط والحلق ونحوها مما يعلق على الأطفال أو على السيارات، أو على البيوت أو الدواب لرفع البلاء أو دفعه، مما يدل على أنها من الشرك

(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، هذا فيه دليل على أن المشركين عبدة الأصنام يقرون بالربوبية، فيقرون بربوبية الله تبارك وتعالى، وهذا الإقرار بالربوبية وحده لا يكفي، ولهذا تفسير التوحيد بتوحيد الربوبية فقط، هذا من الجهل، كيف وهؤلاء المشركون يقرون بأن الله تبارك وتعالى هو خالق السموات والأرض، ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، إذن في ماذا؟ في العبادة، في ألوهية العبودية.
وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، هذا فيه دليل على أن المشركين عبدة الأصنام يقرون بالربوبية، فيقرون بربوبية الله تبارك وتعالى، وهذا الإقرار بالربوبية وحده لا يكفي، ولهذا تفسير التوحيد بتوحيد الربوبية فقط، هذا من الجهل، كيف وهؤلاء المشركون يقرون بأن الله تبارك وتعالى هو خالق السموات والأرض، ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، إذن في ماذا؟ في العبادة، في ألوهية العبودية.
فهذه الآية ظاهرة الدلالة في أن التعلق بغير الله في جلب النفع والضر أنه من الشر

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ﴾ [الزمر: 38]، ما نوع الدعاء هنا، يشمل نوعي الدعاء كما تقدم، إما دعاء المسألة والطلب، أو دعاء العبادة والثناء، وكل ذلك يفعله المشركون عند أصنامهم، إما يقربون لهم القرابين، وهذا نوع من أنواع الدعاء، وهو دعاء العبادة، أو يطلبون منهم المدد وكشف الكروب وهذا أيضًا نوع من أنواع الدعاء وهو دعاء المسألة.

قد يقول قائل الآية جاءت في الشرك الأكبر، فكيف يستدل بها على الشرك الأصغر؟
والجواب أن يقال: أن إيراد الآيات التي في الشرك الأكبر من جهة المعنى، فالمعنى الموجود عند هؤلاء الذين عبدوا الأصنام، هو موجود في الخيوط وهو التعلق بغير الله
فالسلف كانوا يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر بجامع العلة بينهما، فالعلة واحدة.
أمرا آخر نقول أن هذه الآية وإن كانت في الشرك الأكبر، لكن المعنى الذي دارت عليه وهو التعلق بما يضر وينفع، هذا موجود في الشرك الأصغر.
ثم أيضًا التمائم والخيوط قد تنتقل بحسب الاعتقاد إلى الشرك الأكبر، فالاستدلال بالآية ظاهر بأن التعلق بغير الله كله من الشرك.



الدليل الثاني  عن عمران بن الحصين رضي الله عنه، أو رضي الله عنهما، هو وأبوه صحابيان، عمران بن حصين، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا في يده حلقة من صفر، والصفر كما تقدم النحاس، وضعها على يده، وقيل إن الراوي أن هذا الرجل، رأى رجلا، الرجل مبهم، قيل إن الرجل هو عمران رضي الله عنه، كما جاء في رواية الإمام أحمد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  «ما هذه»، هل هو استفهام استنكار أو استفهام استفسار؟
من الفوائد أنه قبل إنكار المنكر لابد من معرفة الحال، وهذه من البصيرة
فقال الرجل: من الواهنة
فقال عليه الصلاة والسلام: «انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك إن مت وهي عليك ما أفلحت أبدا»، الحديث رواه الإمام أحمد وابن ماجة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي
فقال من الواهنة، والواهنة أي من الحمى أو ضعف يصيب الجسد
ففيه أيضًا إنكار المنكر، وفيه استفصال المفتي، وكذلك اعتبار المقاصد؛ لأن الحكم سيختلف مع بيان القصد، قد يكون الرجل وضعها للزينة، فينتقل الحكم إلى النهي عن التشبه، وقد يكون الرجل وضعها للاعتقاد، فينتقل الحكم إلى الشرك
قال: «فإنها لا تزيدك إلا وهنا»، كيف؟ وهذه قاعدة ستمر معنا كثيرا في هذا الباب، كيف أن الواهنة لا تزيده إلا وهنا؟
يعني أن من لبسها عومل بنقيض قصده، فهو يطلب منها الشفاء فزادت المرض
الدليل الثالث: عن عروة بن عامر رضي الله عنه مرفوعا أي للنبي عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام: «من تعلق تميمية فلا أتم الله له»، لاحظ هنا عومل بنقيض قصده، كما تقدم، «ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له»، في رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك»، والحديث رواه الإمام أحمد والحاكم
قوله صلى الله عليه وسلم: «من تعلق» هذا يشمل التعلق المعنوي والتعلق الحسي ( معنوي اي قلبي)
قد يقع الإنسان في الشرك بالاعتقاد، وإن لم يفعل، كمن يعتقد أن المشركين على حق، وأن اليهود على حق، وأن من يذهبون للسحرة على حق، هو لم يذهب، فيقع في الشرك أو لا يقع؟ يقع باعتقاده بالشرك وإن لم يفعل ذلك.
فالشرك يكون بالاعتقاد، الاعتقادات بالقلوب، فهو تعلق تعلقا بقلبه، فيشمل من تعلق التعلق المعنوي بقلبه، أو التعلق الحسي، يعني علق هذه التمائم على صدره
والتميمة، التمائم هي عبارة عن خرز وأشياء كان أهل الجاهلية يعلقونها على صدور أطفالهم، لأجل دفع العين، يخشون من العين، فيعلقونها، أو يخافون الضرر والشرور عليهم من حسد أو نحو ذلك، فيضعون هذه التمائم على أطفالهم أو على دوابهم، أو في بيوتهم، وهكذا تجد من الناس من يفعل في هذا العصر
بعض الناس قد يفعل هذه الأشياء ولا يستحضر هذا القصد، يعني تجد أحيانا من بعض الشباب يعلق مثل هذه الخيوط على يده، لا يعرف ما السبب، تجد بعض النساء تذهب إلى محلات الزينة والذهب تأخذ العين الزرقاء، على أنها للزينة فقط، وهي لا تعرف أن هذه تميمة، وهكذا تجد بعض الناس، تدخل بيته وتجد جزمة وضعا تحفة، أين الجمال في الجزمة،
فكل ذلك يدخل في التمائم
إن قال أنا لا أقصد شيئا منها، فنقول هذا يدخل في باب التشبه بالمشركين، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من تشبه بقوم فهو منهم»،
إذن تزال أم لا؟ تزال أيا كان القصد، يعني هذه الجزمات التي وضعتها في البيت تحف، تزال، لأنها تشبه بالمشركين

التمائم لا تخلوا من ثلاث أحكام على جهة التفصيل.
الحكم الأول: أن يعتقد أن هذه التمائم مؤثرة بذاتها، تنفع وتضر، فهذا من الشرك الأكبر.
الثاني: أن يعتقد أنها أسباب يدفع الله بها البلاء، فتكون من الشرك الأصغر.
القسم الثالث: لا يعتقد فيها هذا الاعتقاد، وإنما يفعلها تشبها، للزينة مثلا والجمال فتدخل في باب التشبه المنهي عنه
هنا سؤال: قد يسأل بعض الناس يقول ما حكم التميمية إذا كانت من القرآن؟
تجد بعض الناس أحيانا قد يعلق المصحف على أطفاله، قد يعلق المصحف في سيارته، قد يعلق آيات في البيت، يقصد بها دفع الشرور، وربما قصد بها البركة؟
فنقول المتأمل للنصوص يجد العموم دون تفصيل، كل النصوص التي جاءت في النهي عن التمائم ليس فيها استثناء لما كان من القرآن، فعموم النصوص التي جاءت في النهي عن التمائم وكون التمائم من الشرك عامة، دون تفصيل
ثم إنه إذا قيل باستثناء التمائم إذا كانت من القرآن، التبس الأمر التميمة الشركية بالتميمة إذا كانت من القرآن، بل إن كل من علق التمائم كما هو واقع، إذا أنكرت عليه يدعي أنها من القرآن، وعندما تقوم بفحصها تجد الطلاسم وتجد الخرافات، والاستعانة بالشياطين والاستعانة بالجن، وهو يزعم أنها من القرآن، فنقول سدا لهذه الذريعة فإن التمائم تمنع حتى ولو كانت من القرآن.
وهل كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، هل كان الصحابة يفعلون ذلك، هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلق القرآن على الحسن والحسين؟ وهل فعله الصحابة؟
لم يفعله أحدا منهم، فحينئذ نقول: بأن التمائم ينهى عنها حتى ولو كانت من القرآن، لعدم وجود دليل يخصص التميمة إذا كانت من القرآن.
ونقول القرآن ما أنزل لهذا،
الشفاء فيه يكون بتلاوته، يكون بالنفث به على المريض، وليس بهذه الطريقة الشركية التي لا أصل لها في الشرع.

بعض الناس هذه ملحوظة سيأتي تفصيلها، بعض الناس يعلق القرآن على الجدران، أو على السيارات ليس لغرض دفع العين، لكن لأجل البركة، يعني تجده يضع المصحف في السيارة، لغرض حصول البركة في هذه السيارة، فنقول هذا سيأتي بيانه إن شاء الله في التبرك المشروع والممنوع، والصواب أنه يدخل في التبرك الممنوع، لأن البركة في القرآن في تلاوته، في امتثاله وليس في وضعه بهذه الطريقة.
وضع الأدعية في السيارات أو في البيوت، إن وضعها لأجل الذكرى ولأجل أن يحفظها، فإن هذا لا بأس به، وكذلك وضع المصحف في السيارة، لأجل أنه يراجع فيه، هل يدخل في المحظور؟ لأنه وضع المصحف معه، أو تجد مصحف معه يحمله معه في جيبه، لغرض أنه يحفظ ويراجع، ليس لغرض أنه يقيه الشرور أو يقيه العين والحسد، فإن هذا المقصد لا بأس

قوله:صلى الله عليه وسلم «من تعلق تميمة فلا أتم الله له»
دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم بنقيض قصده، لأن من علق التمائم يعتقد أنها تمم الأمر، ولهذه لاحظ سموا التميمة من جهة اعتقاد أن فيها تميم للأمر، دفع الشرور، ورفع الشرور إن وقعت.
قوله صلى الله عليه وسلم: «ومن تعلق ودعة» الودع هو نوع من الصدف، يضعونه على الصدور
لاحظ صدفة ما تأثيرها، ويزعمون أن هذه الأصداف، ويضعونها أحيانا على شكل ميداليات، أو يعلقونها في الرقاب، يزعمون أنها تدفع الشرور، وقوله: الودع، أخذت من الدعة وهي السكينة والطمأنينة، يعني يحصل بسببها السكينة والطمأنينة، فدعى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بنقيض قصده، «فلا ودع الله له»، يعني لا جعله في دعة وسكون وراحة وطمأنينة، بل ضد ذلك القلق والاضطراب، وذلك من تعلق بهذه الأشياء الوضيعة فالنتيجة سيصاب بالأمراض والوهن والقلق.

لكن هذا الدعاء على سبيل العموم والوصف، وليس على سبيل العين، بمعنى أنه لا يجوز لك إذا رأيت إنسان أن تدعو عليه بعينه، لكن تبين له، تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في التميمة كذا، وقال في الودعة كذا، فهو دعاء من باب الأوصاف، لا من باب الأعيان.


الدليل الرابع: روى ابن أبي حاتم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى، يعني وضع هذا الخيط يزعم أنه ينفع في دفع الحمى أو رفعها، وهو المرض المعروف، فقطعه حذيفة، وهذا بحسب الحال، أن الإنسان ينكر المنكر بيده إذا كان له الصلاحية، فربما أن هذا الرجل لحذيفة رضي الله عنه عليه سلطة، فقطعه حذيفة ثم استدل بقوله تبارك وتعالى:  ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم باللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾
يستفاد من الأثر أيضًا: إنكار لبس الخيوط لهذا الغرض ووجوب إنكار المنكر فيمن يقدر على إزالته بيده، وصحة الاستدلال بما نزل في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر لعموم العلة

الدليل الخامس عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأرسل رسولا أي النبي صلى الله عليه وسلم، «ألا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة»، يعني شك الراوي، والوتر معروف الذي كان يستعمل في الحرب، كانوا إذا بلي يضعونه على رقاب الجمال لدفع الشرور، ودفع العين، «إلا قطعت» والحديث متفق عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يبقين في رقبة بعير»، ذكر البعير هنا لأنه هو المشتهر، وإلا هذه القلائد عامة، سواء على الجمال أو على الأطفال أو على السيارات، أو سائر الدواب، أو البيوت، وإنما ذكر ذلك لأنه مشتهر عندهم، وأيضًا كلمة رقبة ليس الحكم خاص بالرقبة، بل في أي موضع من مواضع الجسد

الدليل السادس عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك»، رواه الإمام أحمد وأبي داود، فهذا نص صريح في أن الرقى والتمائم والتولة من الشرك كما تقدم بحسب الاعتقاد من أي أنواع الشرك.
هذه الرقى منها ما هو مشروع جائز، إذا كانت من القرآن أو من السنة أو من الدعاء المباح، وفيها استعانة بالله، فإن هذا جائز وقد رقى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رقي، ومنها ما هو شرك ممنوع، إذا كانت فيها استعانة بالشياطين، استعانة بغير الله، تعلق بغير الله تبارك وتعالى فإنها تدخل في هذا النوع، وتلاحظون في الأسواق التي يسميها بعض الناس بالعزائم، تجد فيها خطوط مربعات، وطلاسم وأسماء للجن، وأشياء غير مفهومة.
الرقى لا تجوز إلا إذا كانت من القرآن أو من السنة كما تقدم، فإن كانت غير ذلك فإنها تكون من الشرك.
قوله: «والتولة» التولة فهو شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته، وهو نوع من أنوا ع السحر
هنا سؤال هل يدخل في معنى التولة بدبلة الخطوبة، فهل دبلة الخطوبة تدخل في هذا الباب، والجواب أن هذه دبلة الخطوبة التي انتشرت بين الناس، فيها تفصيل، أولا: إن كانت هذه الدبلة من الذهب، فهي حرام بالنسبة للرجل، لأن الرجل يحرم عليه لبس الذهب، فإن كانت هذه الدبلة دبلة الخطوبة من الذهب فهي حرام بالنسبة للرجل.
ثانيا: إن كانوا يعتقدون فيها النفع فهذا من الشرك، يعتقد أنها تنفع تدفع الشرور ونحو ذلك، فهذا من الشرك.

إن لم يعتقد فيها ذلك، وإنما يفعلها هكذا من باب العادة، فنقول إن هذه العادة جاءت للمسلمين من الكفار، وليست معروفة لدى المسلمين، فتدخل في باب التشبه المنهي عنه، وغالب من يصنعونها يعتقدون فيها التحبيب بين المرأة وزوجها، يعتقدون فيها هذا الاعتقاد، ولهذا تجد أنه عند الخلاف يقوم بماذا بنزعها، فإذا نزعها ورماها معناها أن الخطوبة انتهت، فيعتقدون فيها هذا الاعتقاد، فتكون محذورة من هذا الوجه، وإن لم يعتقد فيها أنها تنفع وتضر بذاتها.

الدليل السابع: عن عبد الله بن عكيم مرفوعا أي للنبي صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: «من تعلق شيئا وكل إليه»، رواه الإمام أحمد والترمذي
وهذه قاعدة عامة «من تعلق» يشمل التعلق الحسي والمعنوي، تعلق القلب وتعلق الفعل، «من تعلق شيئا» نكرة في سياق الشرط، فتفيد العموم،



&& وكل أصناف الشرك الأصغر قد تكون من الأكبر بحسب اعتقاد فاعلها، ثم أيضًا من أثبت سببا لم يجعله الله سببا لا شرعا ولا قدرا ولا حسا فهو مشرك الشرك الأصغر، وهذه قاعدة ذكرناها كثيرا.
&& ولهذا نقول التعلق بغير الله إما أن يكون شركًا أكبر، أو يكون شركًا أصغر، أو يكون جائزًا إذا تعلق بالأسباب التي شرعها الله ما اعتقاد أنها أسباب لا تنفع بذاتها، بل إن شاء الله نفعت، وإن شاء لم تنفع

العقيدة (المحاضرة الحادية عشر)

من الأدلة الدالة على وجوب الحذر من الشرك، وعلى وجوب الخوف من الشرك: قول الله -تبارك وتعالى- عن إمام الموحدين، عن خليل الرحمن إبراهيم -عليه السلام- وهو من أولي العزم، قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: 35]، والمراد بالبلد هنا مكة شرفها الله، فجعلها الله -عز وجل- آمن، قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

وجه الدلالة في الآية ظاهر، إذا كان إمام الموحدين، الذي وصفه الله -عز وجل- في كتابه بأنه كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين، إبراهيم الذي كسر الأصنام بيده، ومع ذلك خاف الشرك


تأملوا في قول الله -تبارك وتعالى- عن إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي﴾ المعنى اجعلني في جانب والأصنام في جانب آخر، يعني باعد بيني وبين عبادة الأصنام.
قال أهل العلم: وكلمة "واجنبني" أبلغ في النهي، وأبلغ في الابتعاد، مما لو قال: "امنعني" عن عبادة الأصنام، لماذا؟ لأنه إذا كان في جانب عنها، فهو أبعد ما يكون، ولهذا تأملوا في قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30] كلمة "اجتنبوا" أبلغ، وقال -عز وجل-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90] يعني كلمة "اجتنبوه" يعني ابتعدوا قدر ما تستطيعون، حتى عن الحمى، التي ربما توقع في الخمر والميسر والأنصاب والأزلام.


ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن -رحمه الله- في كتابه "فتح المجيد، شرح كتاب التَّوحيد" يقول: "فلا يأمن من الوقوع في الشرك إلا من هو جاهل به
﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ﴾ ما المراد ببنيه هنا؟

من أهل العلم من قال: المراد بهم نسله، وهم إسماعيل، وإسحاق، لأنهم هم بنوه.
وقيل: بل ذريته، وما تولَّد من صلبه، فهؤلاء كلهم يدخلون في ذريته، ومعلوم أن أبناء أبناء الرجل، وأبناء بناته من بنين وبنات، كلهم أبناء له، من صلبه، سواء من جهة الذكور، أو من جهة الإناث، فكلهم من ذريته، فقالوا: يدخل في هذا، وهذا هو الأرجح والأقرب -إن شاء الله-، وقد استجاب الله دعاءه، وجعل بنيه أنبياء، وجنبهم عبادة الأصنام.

قد يقول قائل: لماذا قال: "بني" ولم يذكر البنات؟
والجواب: أن البنات تبع للبنين، فيدخلن في هذا العموم.

﴿أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ ما المراد بالأصنام؟

الأصنام جمع صنم، والصنم قيل: هو ما كان على صورة بشر، مما يُعبد من دون الله، يعني ما نُحت على صورة إنسان فيسمى صنم، وما كان منحوتًا على غير ذلك، كصورة حيوان، شجر، فإن هذا يسمى وثن، هذا عند بعض أهل العلم، ومنهم من قال: الصنم ما كان مصورًا على أي صورة كان، سواءً كانت صورة إنسان، أو صورة حيوان، أو نحو ذلك، فقالوا: كل ذلك يسمى صنمًا، أي ما كان على شكل صورة، والوثن بخلافه، ما عُبد من دون الله، كالقبر، والحجر، والشجر، ونحو ذلك، فتسمى هذه أوثان، وما كان منحوتًا على صورة مخلوق فتسمى أصنام.

وقيل: أنه يطلق على الصنم أنه وثن، لكن عند التدقيق، الصنم: ما كان منحوتًا على صورة إنسان، أو على صورة مخلوق، والوثن أشمل، ولهذا مثلاً عبادة القبر عبادة الطواف بالقبور تسمى أوثان أم أصنام؟ أوثان، لكن أجسام منحوتة على صور الإنسان فتسمى هذه أصنام.

جاء عند الإمام أحمد ورواه الطبراني، وابن أبي الدنيا، والبيهقي، من حديث لبيد بن محمود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» فسئل عنه -صلى الله عليه وسلم-، فقال: «الرياء».

أخوف ما أخاف عليكم» الخطاب هنا لمن؟
فالخطاب هنا موجه للصحابة، وللمسلمين بعدهم؛
وجه الاستدلال بالحديث: أنه إذا كان الشرك الأصغر مخوفًا على الصالحين من الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين- مع كمال إيمانهم، فغيرهم من باب أولى أن يُخاف عليه من الشرك،
أخوف ما أخاف عليكم» دل على أنه يخاف على الصالحين أشياء كثيرة، لكن أخوف ما يُخاف عليهم هو: الشرك الأصغر.
سؤال: قد يقال: لماذا خاف عليهم الشرك الأصغر؟ ولم يخف عليهم من الشرك الأكبر؟
الشرك الأكبر أكثر وضوحًا من الشرك الأصغر، فالشرك الأصغر خفي، فيدخل على الإنسان من حيث ربما لا يشعر
 وربما الشيطان يزين له ذلك
قوله -عليه الصلاة والسلام-: «الشرك الأصغر»، هنا لاحظوا سماه بماذا؟ سماه شركًا أصغر، فدل على أن تقسيم الشرك إلى أكبر وأصغر تقسيم شرعي، كما أن الذنوب فيها أكبر، وأصغر

الشرك الأصغر هو أخطر من كبائر الذنوب، أخطر من الزنا، وأخطر من شرب الخمر، وأخطر من قتل النفس، وأخطر وأعظم من سائر كبائر الذنوب، لماذا؟ لماذا الشرك الأصغر أخطر من كبائر الذنوب؟
{لأن الكبائر تدخل تحت المشيئة، وأما الشرك القول الراجح أنه يدخل تحت الموازنة}.
نستطيع أن نقسم الشرك الأصغر، بأنه يدخل في باب الاعتقادات القلبية، ويدخل في أقوال اللسان، والألفاظ، ويدخل في الأعمال الظاهرة، فصوره كثيرة، ولهذا يكون في أعمال القلوب، في النيات والمقاصد، وهنا يكون أمره خفي، لا تميز بين من يصلي مرائيا، ومن يصلي خالصًا لوجه الله
يقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: "لأن أحلف بالله كاذبًا، أحب إليَّ من أن أحلف بغيره صادقًا"، لماذا؟
{الحلف بالله كاذبًا هذه كبيرة}.
مثال شخص قال: والله العظيم ما فعلت هذا الشيء، وهو قد فعله، كاذب أو ليس بكاذب؟ كاذب، والكذب كبيرة من كبائر الذنوب، الثاني حلف بغير الله صادقًا، قال: والنبي ما فعلت، وهو صادق المسكين، أيهما أعظم ذنبًا؟ الكذاب الذي حلف بالله؟ أو الصادق الذي حلف بالنبي؟
{الصادق الذي حلف بالنبي هذا أعظم ذنبًا}.
لماذا؟
{لأن الأول ارتكب كبيرة، وهذا الأخير ارتكب شركًا أصغر، وهو الحلف بغير الله -تبارك وتعالى-}.

ما أسباب وقوع الإنسان في الرياء؟


الجواب: يدخل عليه الرياء من نقص تعظيمه للرب -تبارك وتعالى-، والزهد في ما عنده من الأجر والثواب، فيتعلق بالمخلوق الضعيف، فنقص تعظيم وخشيته وتعلقه بالله، جعله يتعلق بالمخلوقين الضعفاء؛ لأجل أن يمدحوه، ويثني عليه، إلى غير ذلك،

من الأسباب: النظر إلى ما في أيدي الناس، ولهذا النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم»، فسماه عبد الدينار، عبد الدرهم، فتعلقه بما في أيدي الناس جعله يدخل في هذا الباب، باب الرياء.
حب الظهور والإعجاب بالنفس، والتعلق بالمدح والثناء، أيضًا يدخل عليه الرياء من هذا الجانب.

الرياء ما حكمه؟
إذا كان في أصل العمل في بدايته، فهذا العمل باطل من أصله بلا شك؛ لأن العمل لم يكن لله في الأصل، وأما إن كان قد طرأ على العمل في أثناء العمل، يعني هو كان خالصًا، هو صلى أصلاً لله، هو صام لله، لكن دخل عليه الرياء في أثناء العمل، فإذا كان هذا مجرد خواطر، ووساوس شيطانية يدخلها عليه الشيطان وهو يدفعها لا تضره، ولا ينبغي أن يترك العمل، لا يقطع الصيام، ولا يقطع الصلاة، ولا يترك بذل العلم، ما دام أن الأصل كان لله، فأدخل عليه الشيطان هذه الخواطر؛ لأن الشيطان قد يدخل عليه هذه الخواطر لأجل أن يصرفه، فيترك الصلاة، يترك الصيام، يترك عمل الخير، فإذا كان مجرد خواطر ووساوس عليه أن يدفعها، ويستعيذ بالله من شرها، ويستمر في العمل، فإنها لا تضره،
أما إن استرسلت معه هذه الخواطر، فإنها تنقص الأجر، مثل كثرة الوساوس في الصلاة، إذا كثرت فإنها تنقص الأجر، لكن تبقى الصلاة صحيحة لا يؤمر بإعادته

الوسائل التي تدفع الرياء، أو تعالج الرياء.
أولاً: استشعار عظمة الله -تبارك وتعالى-، والمقصود بالعبادة، ورجاء ثوابه -عز وجل-،
تزهيد النفس بما في أيدي الناس، وقطع العلائق بهم،
تذكر عقوبة الرياء في الآخرة، فهو يبطل ويحبط الثواب، وهو كذلك يجلب العقاب، وربما أبطل ثواب هذا العمل.
تعويد النفس وترويضها على العمل دون انتظار الثناء من الناس
إخفاء النوافل والأعمال الخاصة قد المستطاع، ولهذا المستحب في صلاة النافلة أن تكون في البيت، بخلاف الفريض
اتهام النفس بالتقصير،

الدليل الرابع من الأدلة الدالة على الخوف من الشرك: ما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًّا دخل النار»، والحديث ظاهر الدلالة في الوعيد الشديد في من دعا من دون الله ندًّا، والند -كما مر معنا- هو الشبه والمثيل والنظير، ولهذا قلنا في تعريف الشرك: بأنه جعل ندٍّ لله -تبارك وتعالى-، والله -تبارك وتعالى- يقول: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 22].

قول ابن عباس
في تفسير هذه الآية: "الأنداد هو الشرك" إذن ابن عباس هنا يفسر الأنداد بالشرك، يقول: "أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء، في ظلمة الليل" لاحظوا، هذا يقوله من؟ ابن عباس، يقول إنه خفي، وهو أن تقول: "والله، وحياتك يا فلان" يعني يحلف بغير الله، "وحياتي" وتقول: "لولا كليبة هذا" وهذا مما يقع فيه كثير من الناس، في نسبة النِّعم إلى غير الله، فتجد أنه يغفل، فينسب النِّعم إلى ذكائه ودهائه وشطارته، وحصلت له بعبقريته، ونجا من المهالك بحسن قيادته، ينسبها إلى الأسباب وينسى المنعم المتفضل، يدخل في الشرك أو لا؟ في شرك الألفاظ,.

ولهذا قال: "لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص" نسي فضل فنسبها إلى الأسباب، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، طبعًا هذا في عصرهم، في عصرنا ربما نقول: لولا الكاميرات، لولا المنبهات، لولا الحارس، فينسبها إلى الأسباب، وينسى فضل الله، ولربما كان اللصوص أذكى من أجهزتك، وكم سطا اللصوص والأجهزة موجودة، فينسبها إلى الأسباب، وينسى المنعم..

قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من مات وهو يدعو من دون الله» الدعاء -كما مر معنا- نوعان: دعاء عبادة، فالذي يذبح، والذي يصلي، والذي ينذر، والذي يزكي، والذي يحج، والذي يصوم يدعو، يسمى دعاء عبادة، فدعاء العبادة إذا صرفه لغير الله فهو شرك، وهناك دعاء المسألة والطلب، وهذا فيه تفصيل، فإذا كان المخلوق قادرًا على ذلك، هذا ليس بشرك، كتطلب النجدة، تستغيث به، تستعين به، تستعيذ به من شر أذاه، فإذا كان المخلوق قادرًا حيًّا يسمع، فاستغثت به فهذا جائز، أما إذا كان لا يقدر أو لا يصنع كالأموات، أو ليس بحاضر، فإن هذا يدخل في الشرك.

صلى الله عليه وسلم- قال: «من مات وهو يدعو» فهذا الوعيد في دخول النار في من مات على الشرك ولقي الله وهو مشرك.
قوله: «دخل النار» ما هو نوع الدخول؟ هل هو دخول مؤبد؟ أو هو دخول مؤقت؟
والجواب: بحسب نوع الشرك، وحسب نوع الند، فإن كان أشرك بالله شركًا أكبر، فهو دخل مؤبد، وأما إن كان أشرك بالله الشرك الأصغر فهو دخول مؤقت، أنه يدخل تحت الموازنة، على القول الراجح.
الدليل الخامس: عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة».
لاحظوا كلمة "شيئًا" مرت معنا القاعدة، نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم، والنكرة في سياق النفي والنهي والشرط والاستفهام، تفيد العموم،
ما نوع الدخول؟
{دخول أبدي}.
هل هو دخول ابتداء؟ أو دخول مآلاً؟
{بحسب أعماله الأخرى}.
بحسب أعماله الأخرى، لكن إذا كان موحدًا فمصيره الجنة، لاحظوا النصوص تفهم بجمع بعضها إلى بعض، فدخل الجنة، هذا يدل على أن الموحد مصيره إلى الجنة، حتى ما تهمل الأعمال الأخرى؛ لأن الله -عز وجل- يقول في آية النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ إذن ما دون الشرك فهو تحت المشيئة، ولهذا طوائف من الموحدين يدخلون النار أم لا؟ جزمًا، كما ورد في النصوص.
قال: «ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار»، أيضًا لاحظوا كلمة "شيئًا" نكرة، تفيد عموم الشرك، ودخل النار هنا ما نوع الدخول؟
حسب نوع الشرك، إن كان شركًا أكبر فالدخول مؤبد، أعاذنا الله وإياكم منه، وإن كان شركًا أصغر، فهو دخل مؤقت، كما تقدم.

سؤال لماذا النبي -صلى الله عليه وسلم- اقتصر على نفي الشرك، ولم يذكر التَّوحيد؟ يعني لاحظوا في الحديث قال: «ومن لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة» أين التَّوحيد؟ هو ذكر هنا ماذا؟ نفى الشرك، لكن لماذا لم يذكر التَّوحيد؟
بالاقتران، وهذا منهجي في النصوص، اقتصر على نفي الشرك، ولم يذكر التَّوحيد؛ لأن نفي الشرك يستدعي التَّوحيد بالاقتران،
لأنه ما يمكن أن يكون موحدًا إلا بأمرين: بإخلاص العبادة لله، والكفر بما يُعبد من دون الله، فهو يستدعي التَّوحيد بالاقتران.

الدليل السادس والأخير: ما رواه أبو سعيد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال» أخوف من المسيح الدجال، المسيح الدجال الذي كل نبي حذَّر أمته منه، المسيح الدجال الذي أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- الاستعاذة منه في دبر كل صلاة، تخافه الأنبياء، لماذا؟ لأن فتنته عظيمة، ومع ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الشرك الخفي»، إذن هو أخوف على الصالحين من فتنة الدجال؛ لأن أمره ظاهر بالنسبة للموحدين.
"يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه" رواه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة.
قال: «أخوف عليكم عند من المسيح الدجال»، فجعل الشرك الخفي أخطر وأخوف على الأمة من المسيح الدجال
فالحديث فيه التحذير من الرياء، وفيه تفسيره، بماذا؟ فسر النبي -صلى الله عليه وسلم- الشرك الخفي بماذا؟ بتزيين الرجل الصلاة

فيه من الفوائد: أن الرياء أخوف على الصالحين من فتنة الدجال، لماذا؟ فتنة الدجال الذي يدعي الربوبية فيُخاف على الصالحين من الرياء أشد من الخوف عليهم من فتنة الدجال؛ لأن فتنة الدجال بالنسبة للصالحين أمرها ظاهر، الدجال بالنسبة للصالحين يُعرف كذبه بادعاء أنه الله والله -عز وجل- لا يُرى في الدنيا، وهو أعور، وربنا ليس بأعور، ومكتوب على جبهته كافر، يقرؤها المؤمن القارئ وغير القارئ، فهو معروف كذبه عند الموحدين،