الخميس، 26 ديسمبر 2013

العقيدة ( المحاضرة الثالثة عشر )

درسنا عن مظهر من مظاهر الشرك، ألا وهو التَّبرُّك بالشجر والحجر ونحوهما

فالبَّركة هي كثرة الخير وسعته
ولهذا كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- للمتزوجين في أول زواجهما، كان يقول لهما: «بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير»، فالبَّركة من الأمور المحبوبة لدى الناس،

فينبغي للمسلم أن يعرف الأمور التي جعل الله فيها البَّركة فيقتصر عليها، ويعرف الأمور التي لم يجعل الله -عز وجل- فيها البَّركة فيحذرها ويبتعد عنها، خشية أن يقع في الشرك.


قاعدة مهمة،:
لا يتبرك بشيء من الأشياء إلا ما ثبت في الشرع أنه يتبرك به، لا يتبرك بشيء من الأشياء إلا ما جاء الدليل الشرعي من الكتاب والسنة الصحيحة أن الله -عز وجل- جعل فيه البَّركة، وبيان كيفية البَّركة به، هذه القاعدة ينبغي للمسلم أن يستحضرها في هذا الباب.

كلمة البَّركة والتَّبرُّك تعني طلب الخير ورجاؤه واعتقاده

فالبَّركة من الله -عز وجل-، فالله -تبارك وتعالى- هو الذي يبارك تبارك وتعالى، وعليه: فإنه لا يجوز للمخلوق أن يقول: باركت عليك، ولا يجوز للمخلوق أن يقول: أبارك فعلكم، تجد أحيانًا من الناس من يتساهل في هذا، فيقال: أبارك فعلك، نقول: وهل أنت الذي تهب البَّركة؟ هذا من التعالي على الله -عز وجل-، فإذن لفظ البَّركة ومعناه إنما هو من الله -تبارك وتعالى-؛ لأن الخير كثرته وثباته ولزومه إنما هو من الذي بيده الأمر كله -تبارك وتعالى-، وليس للمخلوق.
ولهذا لا يعتقد في المخلوق أنه هو الذي يبارك بذاته، إلا إذا جعله الله سببًا.

فاختص الله -عز وجل- كتابه بأنه مبارك، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: 92]، وكذلك رسوله -عليه الصلاة والسلام- مبارك، وبيته الحرام مبارك، ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: 96]، وكذلك اختص بعض الأزمنة بالبركة، كليلة القدر، ليلة مباركة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 3].

وكذلك وصف بعض الأمكنة بالبَّركة، فالبَّركة إذن كلها من الله -تبارك وتعالى-،
فإن المسلم يبحث عن الأشياء التي جعل الله -تعالى- فيها البَّركة مما جاء الدليل من الكتاب والسنة الصحيحة بأن الله -عز وجل- جعل في هذا الشيء بركة، كماء المطر مبارك، ماء زمزم مبارك، هذه قاعدة ينبغي التنبه لها.

سؤال: إذا كان الله -عز وجل- قد اختص بعض الأشياء فجعل فيها بركة، فكيف التَّبرُّك؟
والجواب: أن التَّبرُّك بهذه الأشياء يختلف، قد تكون البَّركة فيها معنوية، وقد تكون البَّركة فيها ذاتية، مثال: البيت الحرام، هل بركته ذاتية، أم بركته معنوية؟ معنوية، أين البركة فيه؟ أين البركة في البيت الحرام؟ أين البركة في المسجد الحرام؟
{في العبادة التي يؤديها المسلم}.
أن الصلاة فيه عن مائة ألف صلاة، فهي بركة معنوية من جهة أن الله -عز وجل- جعل فضل الصلاة في المسجد الحرام عن مائة ألف صلاة، كذلك فضل الطواف، إلى غير ذلك، فالبركة فيه بركة معنوية، وليست بركة ذاتية، بمعنى أن الإنسان لا يتمسح بأركان البيت، لا يتمسح بالمقام، لا يتمسح بالصفا أو المروة، فالبركة هنا ليست بركة ذاتية، وإنما هي بركة معنوية من جهة الصلاة فيه.

ماء زمزم مثلاً بركته ذاتية أو معنوية؟
{ذاتية}.
نعم، من جهة ماذا؟
من جهة شربها «فهو طعام طعم وشفاء سقم».

قد تكون البَّركة معنوية، وقد تكون البَّركة ذاتية، مثلاً: الحجر الأسود أين البَّركة فيه؟ أين البَّركة في الحجر الأسود؟
من جهة أن مسحه يحط الخطايا، فالبركة هنا من جهة استلامه عند الطواف، فهو يحط الخطايا والذنوب.

مثال: الأزمنة ليلة القدر مثلاً، أين البَّركة فيها؟ أن من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر الله ما تقدم من ذنبه، ومن جهة أن العبادة فيها خير من العبادة في ألف شهر

الأشخاص: الله -عز وجل- قد جعل في بعض الأشخاص بركة، هذه البَّركة في ذواتهم؟ أم البَّركة معنوية؟ البركة معنوية، من أين تأتي البَّركة؟ لما يقال هذا رجل مبارك، أو زارك ضيف فقلت: زارتنا البَّركة، البَّركة معنوية، أين البَّركة؟ أين البَّركة في الأشخاص؟
{البَّركة في دعائه لك مثلاً، في علمه}.

نعم، قد يدعو لك، وهم القوم لا يشقى بهم جليسهم، يعلمك، ينصح لك، رجل آتاه الله الحكمة، رجل إذا شهدته ذكرت الله، يحثك على الخير، فهنا تأتي البَّركة من جهة النفع الذي يقدمه لك هذا الشخص من النصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،

ولهذا قال أسيد بن حضير لآل بكر لما نزلت آية التيمم: "ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر" وآل أبي بكر أسرة مباركة، الصديق صاحب النبي -صلى الله عليه وسلم- ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾
بنته عائشة الصديقة بنت الصديق، المبرئة من فوق سبع سماوات، من أفضل نساء العالمين أسماء ذات النطاقين، بنت أبي بكر، فهي أسرة مباركة.
هنا تأتي البَّركة من الأشخاص، وهي بركة معنوية، من جهة النفع، والخير، والنصح، والحكمة، إلى غير ذلك.

وكل مسلم فيه بركة، بركة معنوية، وليست بركة ذاتية، يعني مثال نقول: إمام المسجد، إمام الحرم، فيه بركة أم لا؟ ذاتية أم معنوية؟ معنوية، ولهذا من الخطأ أن بعض المسلمين إذا شاهد إمام الحرم، تجده يلاحقه فيتمسح بالرداء الذي عليه، هذا خطأ، هذا من الشِّرك، إذن أين البَّركة؟ البَّركة من جهة الدعاء، من جهة النصح، وليست ذاتية، بمعنى أنك لا تتبرك بذوات الصالحين، لا تتبرك بذات المسلمين، لكنك تتبرك بنصحهم بإرشادهم، بتعليمهم إلى غير ذلك

أقسام البَّركة:
- هناك بركة دينية.
- وهناك بركة دنيوية.
- وهناك بركة دينية ودنيوية.
مثال: القرآن مثلاً، بركته دينية ودنيوية، أين البَّركة الدينية فيه؟ في تلاوته، والاهتداء بهديه، فهذه بركة دينية
وبركته الدنيوية الاستشفاء به، فهو شفاء، من بركته الدنيوية ما فيه من العلوم، علوم الطب، وعلوم الفلك، وغيرها من العلوم والقصص.
هل بركته معنوية أو ذاتية؟
يعني أنت تأخذ المصحف وتضعه في بيتك، تأخذه وتزخرف به الجدران، هذه ليست بركة، البَّركة تكون بتلاوته، بالاستشفاء به، فهي بركة معنوية، وليست بركة ذاتية، بخلاف ماء زمزم، بركة ذاتية، من جهة الشرب، لكن لو وضعته هكذا فقط، وضعته في البيت، تقول تحل البَّركة، لا يصلح، هذه بركة ذاتية، من جهة شربه للاستشفاء، «ماء زمزم لما شُرِبَ له»
المساجد الثلاثة بركتها دينية، من جهة أن الصلاة فيها مضاعفة،
المطر بركته دنيوية، وبركته معنوية أو حسية؟ بركته حسية، فهو ماء مبارك.
هذا ما يتعلق بالتَّبرك المشروع، مما دل عليه الكتاب والسنة.

النوع الثاني التَّبرك الممنوع، وهو التَّبرُّك الشركي، وهو الذي يفعله المشركون، فيطلبونه من غير الله، ويطلبونه في أشياء لم يجعل الله فيه البَّركة، يعتقدون فيها النفع، ويعتقدون فيها البَّركة، والأمر ليس كذلك، بل قد نهى الشرع عنها، فكانوا يرجون البَّركة، ويرجون الخير ودوامه، ولزومه وثباته بالتوجه إلى معبوداتهم الشِّركيَّة، ربما طلبوه في أشجار، وأحجار، وبقاع، وآثار، فهذا لهو المحذور، والمنهي عنه،

يقول الله -تبارك وتعالى- في سورة النجم منكرًا على المشركين: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: 19- 22] هذه الآية جاءت في توبيخ المشركين الذين عبدوا هذه الأصنام الثلاثة، وهذه الأصنام الثلاثة: اللَّات كانت صخرة، ومناة أيضًا صخرة، وأما العُزَّى فهي شجرة،
فوجه الاستدلال بالآية: أن التَّبرُّك بالشجر والحجر ونحوهما شرك أكبر، وهذا ظاهر؛ لأن هؤلاء المشركون ما عبدوها إلا ويرجون بركتها، بجلب النفع ودفع الضر، ولهذا يلجئون إليها لهذا الغرض، فعليه فكل من تبرك بحجر، أو شجر، أو قبر، أو غير ذلك قاصدًا بذلك جلب النفع أو دفع الضر، فقد شابه المشركين الأوائل، ودخل في شركهم
إن قال: أنا لا أعتقد ما يعتقده المشركون، أعتقد أن الله جعل في قبور هؤلاء بركة، فيكون هذا من باب الشرك الأصغر، طبعًا هذا إذا لم يقرب قرابين، وإنما تمسح مثلاً بالمقام، تمسح بالجبل، تمسح بأركان البيت، غير الحجر الأسود، يعتقد أن فيها بركة، فيكون هذا من أي باب؟ من الشرك الأصغر؟ لماذا قلنا أنه من الشرك الأصغر؟ القاعدة التي ذكرناها سابقًا، ما لم يجعله الله سبب، فإذا اعتقد أن الله جعل فيها بركة، فيكون هذا من باب الشرك الأصغر،
فحينئذ نقول: أن السلف يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر بجامع العلة بينهما
الأفعال التي تفعل عند القبور تدل على أن الأمر انتقل من رجاء البَّركة إلى العبادة

من مظاهر الشرك نشير إليها: الذبح لغير الله، يدل عليه قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 163]، وقوله -تبارك وتعالى-: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، أين الشاهد في الآية؟

وجه الاستدلال فيهما: أن الله -عز وجل- جعل النسك وهو الذبح والنحر، النحر يكون للإبل، والذبح يكون للبقر والغنم، جعل الذبح عبادة، فقرنه بالصلاة، وهنا قاعدة عند أهل العلم: أن الشيء إذا ثبت أنه عبادة، فصرفه لغير الله شرك
كيف تعرف أنه عبادة؟ تعرف أنه عبادة إذا أمر الله به، أو أثنى على فاعليه، أو بيَّن ثوابه وفضله، فإذا جاء الدليل في الأمر به، كقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، أو بيَّن فضله وثوابه، أو مدح وأثنى على الفاعلين له، يدل على أن الأمر عبادة، فإذا ثبت أنه عبادة فصرفه لغير الله شرك
الله -عز وجل- أثنى على المؤمنين بهذا الثناء، وقرن النسك وهو الذبح بالصلاة، فدل على أنه عبادة، فحينئذ صرفه لغير الله شرك،

أيضًا: جاء في الذبح لغير الله بخصوصه ما رواه مسلم من حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: "حدثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأربع كلمات: «لعن الله من ذبح لغير الله»" إذن هذا فيه الوعيد الشديد لمن ذبح لغير الله.
فقوله -عليه الصلاة والسلام-: «لعن الله من ذبح لغير الله»، هذا يشمل الذبح لغير الله كائنًا من كان، سواء كان للملائكة، سواءً كان للأنبياء، سواءً كان للأولياء، سواءً كان للصالحين، كذلك يشمل كل من ذبح لغير الله تقربًّا له، أيًّا كانت هذه القربى حتى ولو ذكر عليها اسم الله، وسواءً كان المذبوح عظيمًا، أو كان المذبوح حقيرًا، حتى لو كان مما لا يؤكل، ذبح ذبابًا، ذبح خنزيرًا، طلب منه الساحر والكاهن أن يذبح ذباب، أن يذبح خنزير، أن يذبح كلبًا، يدخل في هذا الوعيد أو لا يدخل؟ يدخل في هذا الوعيد.

الذبح لغير الله ينقسم إلى قسمين:
أولاً: أن يذبح لغير الله تقربًّا وتعظيمًا، وهذا لا شك أنه من الشرك الأكبر.

الثاني: أنه يذبح لغير الله فرحًا بقدومه، إكرامًا له، فهذا جائز، لكن ما يكون ذبح تقربًّا إليه بذات الذبح، وإنما يقصد الطعام، ولهذا بعض الناس يقول أتاني فلان ذبحت له، تذبح له، ليس هو المقصود هنا، هذا يدخل في باب إكرام الضيف،

مثال: قدم رئيس من الرؤساء، فجيء بالأغنام، فذُبحت وهو ينظر ثم عبر وسافر، يكون هذا العمل شرك أو ليس بشرك؟ شرك، لكن قَدِم فذُبحت الذبائح لأجل إكرامه وإطعام الضيوف، هذا من إكرام الضيف، أما أن يسكب الدم وهو ينظر ثم ينصرف، فهذا يكون من الشرك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق